05/06/2026

يوم الغدير: حين اكتمل الدّين بولاية عليّ (ع)

يوم الغدير: حين اكتمل الدّين بولاية عليّ (ع)

[خطبة الجمعة]
يوم الغدير: حين اكتمل الدّين بولاية عليّ (ع)
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. صدق الله العظيم.
ذكرى حادثة الغدير
مرّت علينا في الثّامن عشر من شهر ذي الحجَّة ذكرى عزيزة علينا وعلى قلوب المحبّين والموالين لأهل البيت (ع)، والملتزمين بإمامتهم، وهي ذكرى يوم الغدير.
هذا اليوم الّذي نزلت فيه هذه الآية على رسول الله (ص) وهو في طريق عودته من حجّته الوحيدة الّتي حجّها مع من رافقوه، والّتي سمّيت بحجَّة الوداع: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}.
وقد أظهرت هذه الآية بما لا مجال للشّكّ فيه، أنّ هناك أمرًا على رسول الله (ص) أن يبلّغه للنّاس، وهو من الخطورة بمكان، بحيث لو لم يفعل، فستذهب كلّ جهوده الّتي بذلها في أداء الرّسالة والتّضحيات الّتي قدّمها هو والمسلمون معه سدىً.
عندها، أمر رسول الله (ص) مناديًا أن ينادي بالنّاس لكي يجتمعوا عنده، وشدّد عليه أن لا يتخلّف منهم أحد حتّى يصل هذا البلاغ إلى الجميع، وقد حصل الاجتماع في مكان يدعى غدير خمّ، برغم حرارة الجوّ اللّاهبة آنذاك، حيث لا غطاء يقيهم من الشَّمس الحارقة، ولا ما يحمون به بواطن أقدامهم.
وبعد أن اكتمل الاجتماع، دعا رسول الله (ص) بأن يُوضع له منبر من أحداج الإبل، وقف عليه، وكان إلى جنبه عليّ (ع)، وقال: "أيّها النّاس، يوشك أن أُدعى فأُجيب... انظروا كيف تخلّفوني في الثّقلين". فنادى مناد: وما الثّقلان يا رسول الله؟ قال (ص): "الثّقل الأكبر كتابُ الله... والآخر الأصغر عِترَتي، وإنّ اللّطيفَ الخَبيرَ نَبّأَنِي أنّهُمَا لن يَفتِرقا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوض... فلا تُقَدِّمُوهُمَا فَتهلَكُوا، ولا تُقَصِّرُوا عَنهُمَا فَتَهلَكُوا".
بعدها، رفع رسول الله يد عليّ (ع) حتّى بان بياض إبطيهما ليراه كلّ النَّاس، وقال: ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفُسِهم؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: "فمن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاهُ.. اللَّهمّ وَالِ مَن وَالاَهُ، وَعَادِ مَن عَادَاهُ، وَأَحِبّ مَن أَحبّهُ، وَأبغضْ مَن أبغَضَهُ، وانصُرْ مَن نَصَرَه، واخْذُل مَن خَذَلَهُ، وَأَدِرِ الحَقّ مَعَهُ حَيثُ دَار، أَلا فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ".
اكتمال الدّين 
بعدها، نزلت الآية الكريمة على رسول الله (ص): {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. وقد نزلت هذه الآية لتبيّن أهميّة هذا الإبلاغ، فبتعيين عليّ (ع) بعد رسول الله (ص) خليفة للمسلمين، اكتمل الدّين، وتمّت النّعمة، لأنّ عليًّا هو من يمتلك المواصفات والمؤهّلات الّتي تجعله قادرًا على حفظ هذا الدّين من أيّ زلل أو انحراف، وقيادة سفينة الإسلام إلى شاطئ الأمان، وهو ما أدّى، وكما أشار الله عزّ وجلّ، إلى يأس الكافرين، الّذين كانوا ينتظرون فرصة انتقال رسول الله (ص) إلى رحاب ربّه حتّى ينقضّوا على كلّ الجهود الّتي بذلها رسول الله (ص) خلال دعوته وفي تشييد البناء الإسلاميّ.
موقع عليّ (ع) وتميّزه
لم يكن هذا الحدث هو الوحيد الَّذي أشار إلى ولاية عليّ (ع)، والّذي يظهر موقعه (ع)، وأنّه الأولى بالولاية بعد رسول الله (ص)، فالمسلمون طوال تاريخهم كانوا يعون تميّز عليّ (ع) عن غيره؛ فهو من تربّى في حجر رسول الله (ص)، وكان أوّل النّاس إسلامًا، ومن كرّم وجهه عن السّجود لصنم، ومن تصدّر كلّ ميادين الجهاد مع رسول الله (ص)، فكان بطل بدر ورمز انتصارها وبطل أحد والأحزاب وقالع باب خيبر. وسمعوا رسول الله (ص) يقول عنه: "أنا مدينةُ العلْمِ، وعلِىٌّ بابُها، فمن أرادَ الدّخول إلى المدينة فليدخلها من بابها". ومن قال فيه الرّسول (ص) يوم أعطاه الرّاية في معركة خيبر: "لأعطينَّ الرّايةَ رجلًا يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسولُه، كَرَّارًا غَيْرَ فَرَّارٍ، لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ".
وفيه قول رسول الله (ص)، عندما أراد الخروج إلى تبوك، بعدما رغب بأن يكون معه، وهو من لم يتخلّف عن أيّة معركة خاضها المسلمون، قال له (ص) يومها: "أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي"، وهارون كان خليفةً لموسى (ع) خلال غيابه.
الأمين على الإسلام
وجاءت الأيّام بعد انتقال رسول الله (ص) إلى رحاب ربّه، لتؤكّد موقع عليّ (ع). فصحيح أنّه أبعد عن الخلافة لفترة طويلة من الزّمن امتدّت لعشرين سنة، لكنَّه كان حاضرًا طوال هذه الفترة، أمينًا على الإسلام في فكره وشريعته، ومرشدًا وناصحًا ومسدّدًا، منعًا لأيّ انحراف يجده على أرض الواقع... وكان مرجعًا للخلفاء الّذين تعاقبوا على الخلافة قبله، إليه كانوا يعودون عند أيّ معضلة تواجههم، فيجدون لديه الحلّ والجواب الشَّافي، ويذكر في ذلك قول عمر: "لولا عليّ لهلك عمر"، "أعوذ بالله من كلّ معضلة ليس لها أبو الحسن". وفي ذلك، قول الخليل بن أحمد الفراهيدي، عندما سئل: لم فضَّلت عليًّا على كلّ الّذين سبقوه بالخلافة؟ قال: "احتياجُ الكُلِّ إليهِ، وَاستغناؤهُ عَن الكلِّ، دَليلٌ على أنَّهُ إمامُ الكلّ".
وعندما تسلَّم مقاليد الحكم وإدارة شؤون المسلمين، ثبّت (ع) نهجًا في الحكم شكّل عنوانًا للعدالة والشّفافية والصّدق، وهو ما شهد به المناوئون له قبل المحبّين، وقد قيل في ذلك: "لو ولّيتموه أمركم، لحملكم على المحجّة البيضاء"، عندما ساوى بين المسلمين في العطاء ولم يفرّق بينهم.
وقد عبّر عن ذلك في أكثر من موقف، وخصوصًا موقفه من أولئك الّذين مشوا إليه عند تفرّق النّاس عنه، وفرار كثير منهم إلى معاوية طلبًا لما في يديه من الدّنيا، حين قالوا له: يا أمير المؤمنين، أعطِ هذه الأموال، وفضّل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، ومن تخاف خلافه عليك من النّاس وفراره إلى معاوية. فقال لهم أمير المؤمنين (ع):   واللَّه لا أطور به ما سمر سميرٌ، وما أمَّ نجمٌ في السَّماء نجمًا، ولو كان المال لي لسوَّيت بينهم، فكيف وإنَّما المال مال الله؟!".
التزامٌ ومسؤوليَّة
لذلك أيّها الأحبّة، لن نكتفي بيوم الغدير بأن نقيم أفراحًا، أو نتبادل التَّهاني، أو نرسل رسائل الولاء للتَّعبير عن ولائنا له (ع)، بل ما نحن مدعوّون إليه، هو أن نقوم بمراجعة لأنفسنا لنتأكّد هل إنّنا فعلًا نلتزم عليًّا ونتولّاه؟! حتّى لا نكون مثل الكثيرين ممّن كانوا مع عليّ (ع) يحبّونه أشدّ الحبّ، ولكنّهم يخذلونه عندما يروا أنّه لا يحقّق لهم مصالحهم، وهو الّذي كان يقول: "وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِدًا؛ إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ"، وهو من قال: "ما ترك لي الحقّ من صاحب".
إنَّ الولاية لعليّ (ع) ليست شعارًا، ولا مصدرًا للزَّهو، بقدر ما هي نهج وسلوك ومسار عنوانه الحقّ والعدل والعمل لخير الإنسان والحياة، وهو عبّر عن هذا النّهج وعمّا يريده منّا (ع) عندما قال: "ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طُعمه بقرصيه. ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفّة وسداد".
ولذلك، نسأل الله في هذه المناسبة، أن يجعلنا من الصّادقين في عهدهم وميثاقهم في ولاية أمير المؤمنين (ع) وأهل بيته، سلوكًا وعملًا والتزامًا، وأن نشكر الله على نعمة الولاء له ولأهل البيت (ع).
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نقتدي بأمير المؤمنين بالصّفة الّتي وصفه الله بها وجعلته في موقع الولاية على المؤمنين، حين قال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}، حيث ورد في سبب نزولها أنّ فقيرًا جاء إلى مسجد رسول الله (ص)، فراح ينادي بمن في المسجد أن يعينوه، فلم يستجب له أحد، وكاد أن يغادر المسجد بحسرته، وحتّى لا يفوّت أمير المؤمنين (ع) على نفسه الصّدقة على هذا الفقير، أشار إليه وهو راكع في صلاته أن ينزع من إصبعه خاتمه، وأن يستعين به لسدّ حاجته. 
فما كان عليّ (ع) يطيق أن يكون هناك فقير يحتاج إليه ولا يسدّ حاجته. وفي ذلك دعوة إلى الّذين يتولّون عليًّا (ع)، أن يتولّوه في هذه الصّفة، فلا يمكن لمن يتولى عليًّا أن يدير ظهره للفقراء، أو أن لا يبالي بمن يعانون في هذه الحياة، بل أن يبادر إلى سدّها أو يسعى إلى من يسدّها.
ومتى وعينا هذه القيمة، نستطيع أن نبني مجتمعًا متعاونًا متكافلًا قويًّا وقادرًا على مواجهة التّحدّيات.
فشل المفاوضات
والبداية من العدوان الإسرائيليّ الواسع والمتواصل على لبنان، والّذي خلّف وراءه ولا يزال دمارًا كبيرًا، وأدّى ويؤدّي إلى سقوط شهداء وجرحى واحتلالٍ لمزيد من الأراضي... ضاربًا بعرض الحائط أيّ حديث عن وقف إطلاق نار أو هدنة لطالما تحدّث عنها المسؤولون الأميركيّون.
يأتي كلّ ذلك في وقت انتهت فيه جولة من المفاوضات الّتي جرت بين الدّولة اللّبنانيَّة والكيان الصّهيونيّ، والّتي - كما توقّعنا - لم تصل إلى النّتيجة الّتي يصبو إليها اللّبنانيّون من إيقاف تامّ للنّار، وانسحاب العدوّ من الأراضي الّتي احتلّها تمهيدًا لعودة أهلها إليها، حين لم ينصّ في أيّ بند من بنوده ما يلزم العدوّ بوقف حربه على لبنان، أو بانسحابه من الأراضي الّتي احتلّها، أو على الأقلّ جدولة زمنيّة له، أو الإعمار والإفراج عن الأسرى، وهو ما عبّر عنه باستمراره في مسلسل الاغتيالات، وإنذاراته بالإخلاء للعديد من القرى والبلدات في الجنوب والبقاع الغربيّ، واستهدافه لها بالغارات، وإعلان قادته مواصلة إطلاق النّار والعمليّات العسكريّة على الأرض وعدم الانسحاب من الأراضي الّتي احتلّها، فيما يراد للدّولة اللّبنانيّة أن تتولّى هي إزالة أيّ موقع من مواقع القوّة الدّاخليّة الّتي تربك احتلال العدوّ وتهدّد استقراره.
مسؤوليّة الدّولة 
إنّنا أمام ذلك، نعيد التّأكيد على الدّولة اللّبنانيّة أن تبقى أمينة على ما التزمت به تجاه اللّبنانيّين، وما تعهّدت به لهم، عندما أكّدت العمل لإيقاف تامّ لإطلاق النّار، وعودة الأهالي إلى كامل تراب الجنوب والبقاع والإعمار وعودة الأسرى...
لذا، فإنّنا ندعوها، وحرصًا على صدقيّتها، ولكسب ثقة اللّبنانيّين بها، إلى القيام بمسؤوليّتها، وعدم التّنصّل منها، بالتّأكيد على الالتزام بهذه الثّوابت وعدم التّخلّي عنها...
فيما نحذّر من أن تؤدّي نتائج المفاوضات إلى زيادة الشّرخ في الدّاخل اللّبنانيّ، إن على الصّعيد السّياسيّ أو الشّعبيّ، ما يدعو كلّ القوى الحريصة على هذا البلد ووحدته الوطنيّة وسلمه الأهليّ، إلى العمل بكلّ مسؤوليّة وجدّيّة لوقاية البلد من أيّ تداعيات سلبيّة قد تنتج من الاختلافات، وإلى العودة إلى لغة الحوار الّذي هو السّبيل الأمثل لمواجهة هذه المرحلة الصّعبة والمعقّدة، وحيث تتصاعد الضّغوط الّتي يواجهها البلد، وهنا نثمّن كلّ المبادرات الّتي حصلت ونريدها أن تحصل على صعيد القيادات السّياسيّة أو الدّينيّة أو الحزبيّة.
وهنا نعيد ما قلناه سابقًا: قد يختلف اللّبنانيّون في طوائفهم ومذاهبهم ومواقعهم السّياسيّة وأطرهم الحزبيّة، ولكنّهم لا ينبغي أن يختلفوا فيما يهدّد هذا الوطن، بعدما أصبح واضحًا للجميع أنّ العدوّ لا يستهدف طائفة أو مذهبًا أو موقعًا سياسيًّا، بل يمسّ الوطن كلّه... 
التّكاتف لمواجهة الأخطار
ويبقى أن نعيد التّأكيد على الدّول العربيّة والإسلاميّة، أن تعمل لتوحيد جهودها، ومعالجة كلّ ما يهدّد العلاقة فيما بينها، لتقف معًا في مواجهة التّحدّيات الّتي تواجهها، أو تلك الّتي ستواجهها، ولمنع كلّ الأيادي الّتي تريد إضعافها والمسّ بثرواتها وقدراتها.
***
ك: يوم الغدير، الإمام عليّ (ع)، الولاية، لبنان، إسرائيل، أمريكا.
اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير