قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}. صدق الله العظيم.
خطرُ اليأس
يريد الله سبحانه وتعالى من عباده أن لا ييأسوا عندما يواجهون الصّعوبات، وتشتدّ عليهم الضّغوط، وتكبر أمامهم التّحدّيات، سواء كان ذلك ممّا يحصل لهم على الصّعيد الفرديّ أو الاجتماعيّ أو السّياسيّ أو الأمنيّ، نظرًا إلى التَّأثيرات الخطيرة الّتي قد يتركها اليأس على إيمان النَّاس أو سلوكهم أو وضعهم النّفسيّ أو علاقاتهم الاجتماعيّة، وقد يدفع بالبعض إلى أن ينهوا حياتهم بسببه.
واليأس يعني شعور الإنسان بانقطاع الأمل بتحقيق أهدافه الّتي يسعى إليها، وعدم قدرته على تجاوز المشكلات الّتي تعترضه، والعقبات الّتي تقف في طريقه، وشعوره بأنَّ باب الفرج لن يفتح له، ممّا نسمعه ممّن يقول: لا أمل، لا فائدة، فالج لا تعالج، ولا يوجد مخرج… إلى ما هنالك من تعابير.
وإلى هذا، أشارت الآية الكريمة الّتي تلوناها: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}، والّتي بيّنت أنَّ اليأس لا ينسجم مع الإيمان، فالمؤمن لا يمكن أن ييأس.
لا يأسَ مع الإيمان
وقد عالج الإسلام هذه الظَّاهرة عند الإنسان أوّلًا، بدعوته له أن لا ينسى الله، لأنَّ إيمان المؤمن يدعوه إلى أن يرى الله سبحانه وتعالى حاضرًا عندما تواجهه الأزمات وتعصف به التّحدّيات، وأن يثق بأنّ الأمر بيده، وأنّه القادر على كلّ شيء، وأن يستشعر دومًا حضوره في الحياة، وأنّه القادر على تغيير أحداثها ومخرجاتها، وأنّ بابه لا يغلقه على أحد من عباده إن هم دعوه وناجوه، وهو عند وعده لهم بالإجابة، وذلك قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.
وثانيًا: فتح الله سبحانه وتعالى للإنسان أبواب الأمل، عندما قال له: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، وفي آية أخرى: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}، {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، حين بيّن الله عزّ وجلّ بذلك أنَّ من سننه الّتي أودعها في الحياة، أنّ العسر لن يدوم، وبعد العسر يكون الفرج.
وثالثًا: حين دعا اللهُ الإنسانَ المؤمنَ إلى التَّفاؤل الدَّائم به، وإلى أن يكون عند حسن ظنِّه بربِّه، فأراد له أن لا يستسلم للطّيرة أو التَّشاؤم، بل أن يعيش الثّقة به والأمل برحمته وحكمته، وهو ما أشار إليه الحديث: “ليس منَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطيِّر لَهُ”.
رابعًا: أراد الله للإنسان أن يرى أنَّ وراء البلاء نعمة قد تخفى عليه، وأن ينظر إلى ما يحيطه من نعمة، وهو ما أشار إليه الحديث: “ما من بليّة إلّا ولله فيها نعمة تحيط بها”. وفي الحديث: “مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حَزَنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ”، وأن يرى في التّحدّيات الّتي تواجهه طريقًا لبلوغ الجنَّة، كما قال عزَّ وجلَّ: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.
مواجهة الأنبياء للمحن
وقد عزّز القرآن الكريم هذا الأمل في حديثه عن كيفيَّة تعامل الأنبياء والرّسل والمؤمنين مع الشّدائد والصّعوبات والأحزان، عندما تحدَّث عن نوح (ع) أنّه دعا قومه ألف سنة إلّا خمسين عامًا، ومع ذلك لم ييأس، وفي إشارته إلى النّبيّ أيّوب (ع) الّذي عانى المرض لسنوات، ووصل به الأمر إلى أن فقد المال والأهل، ومع ذلك، بقي صابرًا كما تحدّث الله عنه: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ}، واكتفى بأن دعا الله عزَّ وجلَّ: {رَبِّ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، إلى أن شفاه الله من مرضه، وفي حديثه عن النّبيّ يعقوب (ع) الَّذي فجع بفقد ولده يوسف (ع) بعد مكيدة إخوته به، وبعد ذلك ولده الآخر بنيامين، ومع ذلك، قال لأولاده: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}.
وأشار سبحانه في حديثه عن يونس (ع)، أنَّه لـمّا ابتلعه الحوت ودخل في ظلمة جوفه، لم يفقد ثقته بربّه، بل لجأ إليه وقال: {لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فكان أن استجاب الله وأخرجه من معاناته: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}.
وهذا ما كان عليه رسول الله (ص)، فهو رغم كلّ ما عاناه من أذى قريش له ولأصحابه، لم يتراجع عن دعوته، بل كان رغم كلّ المعاناة، يعيش الأمل بالله، ويعزّزه لدى أصحابه، ويبشّرهم بالنَّصر الآتي…
وقد أشار الله عزَّ وجلَّ إلى الأمل الَّذي عبّر عنه المؤمنون بعد معركة أحد، عندما قيل لهم إنَّ أبا سفيان قادم بجيشه الجرّار إليهم يهاجم المدينة، مستغلًّا ما حدث لهم في معركة أحد من هزيمة، فقالوا كما أشار الله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}.
وبعد ذلك، في معركة الأحزاب، عندما هاجمتهم أحزاب قريش وحلفاؤها وحاصروهم في المدينة، لم ييأسوا، بل قالوا كما أشار الله سبحانه وتعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}.
الأمل بفرج الله
أيُّها الأحبَّة، إنَّ حجم التّحدّيات الَّتي تواجهنا وتتحدّى وجودنا، لا ينبغي أن تدعونا إلى اليأس، بل إنَّ من مسؤوليَّتنا أن نحاكم الأفكار الّتي تدعونا إلى اليأس، فقد نكتشف عدم صحَّتها، ما يجعلنا نغيّر نظرتنا إلى الابتلاءات، ثمّ نعود لنرى المستقبل بعين الأمل والتّفاؤل بفرج الله، مستندين إلى إيماننا بالله وثقتنا به وبحضوره وتأييده، وأنّه الّذي يجعل بعد كلّ عسر يسرًا.
وليكن دعاؤنا لله عزّ وجلّ بما كان يدعو به رسول الله (ص) عند الأزمات: “اللَّهُمَّ لا سَهْلَ إِلَّا ما جَعَلْتَهُ سَهْلًا، وأنْتَ تَجْعَلُ الحَزْنَ إذَا شِئْتَ سَهْلًا”، وبما دعا به الحسين (ع) في كربلاء: “اللَّهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كَرْبٍ، وَأَنْتَ رَجَائِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ، وَأَنْتَ لِي فِي كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَعُدَّةٌ. فَأَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ نِعْمَةٍ، وَصَاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ، وَمُنْتَهَى كُلِّ رَغْبَةٍ”.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين…
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله عزَّ وجلَّ فيما دعانا إليه أمير المؤمنين (ع) عندما قال: “اتَّقُوا اللهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلاَدِهِ، فَإنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ البِقَاعِ وَالبَهَائِمِ”؛ أن نتّقي الله في عباده، بأن نحرص على أن يكون عباد الله بوجودنا أعزّاء كرماء أحرارًا، وأن نتّقيه في بلادنا، بأن لا نقبل ونحن في قيد الحياة، أن يدنّس الأرض الّتي أودعها الله عزّ وجلّ أمانة لدينا، محتلٌّ أو غاز أو طامع… وأن نتّقيه في البهائم، بأن نراعي حاجاتهم، وأن لا نسبّب لهم الأذى، وأن لا نحمّلهم فوق طاقتهم.
فالله سبحانه وتعالى كما سيسألنا عن الصّلاة والصّيام والحجّ والخمس والزّكاة، سيسألنا كيف تركنا العباد والبلاد والبهائم، وماذا تركنا من أثر طيّب في الحياة الّتي عشناها معهم. ومتى وعينا ذلك، سنقوم بمسؤوليّتنا، ونكون أقدر على مواجهة التّحدّيات.
الرّهان الخاسر!
والبداية من هذا البلد، حيث يستمرّ العدوّ الصّهيونيّ باعتداءاته، وتفجيره للمباني السّكنيَّة والبنى التّحتيَّة في المناطق الّتي احتلّها، سعيًا منه لاستكمال ما بدأه، لعدم إبقاء أيّ مظهر للحياة فيها، فيما يعلن قادته جهارًا عن عدم نيّتهم الانسحاب منها، وحتّى من المناطق التّجريبيّة الّتي وردت في اتّفاق الإطار الّذي جرى مع الدّولة اللّبنانيّة، إلّا بشرط تعجيزيّ كان يعرف العدوّ مسبقًا عدم إمكانيّة تطبيقه، ما يشير إلى عدم جدّيّة الكيان الصّهيونيّ بتنفيذ الانسحاب حتّى الجزئيّ، وقد بات واضحًا أنَّ الهدف الحقيقيَّ الّذي يريده العدوّ من وراء الاتّفاق، هو تثبيت احتلاله للأراضي اللّبنانيَّة وشرعنة احتلاله لها.
إنّنا أمام ما يجري، ندعو اللّبنانيّين إلى عدم المراهنة على اتّفاقٍ بات واضحًا الشّرخ الّذي أدَّى إليه على الصّعيد السّياسيّ، والثّغرات الّتي تعتريه في بنوده، والّتي تمسّ بسيادة الدّولة اللّبنانيّة وأمنها، وهو لن يحقّق لهم ما يصبون إليه من انسحاب تامّ من الأراضي الّتي احتلّها العدوّ، وعودة أهالي القرى المحتلّة إليها، والبدء بإعمار ما تهدّم، بل يبقى في إطار وعودٍ لا مدى زمنيّ محدّد لتنفيذها، ولا ضمان لتحقيقها من هذا العدوّ ومن يمتلك التّأثير فيه.
ومن هنا، فإنّنا ندعو اللّبنانيّين إلى أن يكون رهانهم على إرادتهم الداخليَّة وجهدهم الذّاتيّ، فالعزّة والكرامة والسيادة لا يمنحها لهم أحد، بل تُنتزع بالوعي والعمل والتَّضحية.
إنّ اللّبنانيّين قادرون على تحقيق أهدافهم في الحريّة والاستقلال والسّيادة، إن هم تجاوزوا خلافاتهم وصراعاتهم، وحرصوا على عدم المسّ بوحدتهم الدَّاخليَّة، وأحسنوا الاستفادة من كلّ الإمكانات المتاحة لهم، وعرفوا مواقع القوَّة لديهم، وفي طليعتها إنسان هذا البلد الَّذي يثبت في كلّ يوم صبره وثباته وعنفوانه، رغم الجراح والآلام، والاستفادة من الدّول الدّاعمة لهذا البلد ممّن يريدون خيرًا له.
تشييع السيّد الخامنئي
في هذا الوقت، ستكون الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، وبدءًا من هذا اليوم، مع مراسم تشييع قائد الجمهوريّة الإسلاميَّة في إيران، الشَّهيد السّيّد عليّ الخامنئي (رض)، بفعل استهداف العدوّ الصّهيونيّ له، بعد أن أفنى حياته في سبيل نهوض الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران منذ البدايات، وفي تعزيز حضورها وقدراتها، والنّهوض بقضايا المسلمين والشّعوب المستضعفة، وفي العمل للإسلام، وتقديم الصّورة الحضاريّة عنه…
إنّنا نرى أنَّ هذه المناسبة الأليمة، ستكون بحشودها والمشاعر الجيّاشة الّتي سيظهرونها، تعبيرًا من الشّعب الإيرانيّ عن عرفان جميل ووفاء لكلّ الجهود الّتي بذلها وقدّم حياته لأجلها. إنّنا إذ نشارك الشّعب الإيرانيّ وكلّ المحبّين له حزنهم ووفاءهم، نسأل المولى أن يتقبّل جهاده وشهادته، وأن يجعله مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
ذكرى رحيل فضل الله (رض)
ونبقى أخيرًا مع الذّكرى السَّادسة عشرة لوفاة السّيّد (رض)، والَّذي رغم غيابه الطّويل، لا يزال حاضرًا فينا، في فكره المتجدّد القادر على أن يواكب العصر الّذي استطاع به أن يخترق كلّ الحواجز الطّائفيّة والمذهبيّة والسّياسيّة الّتي قد تعيق أيّ فكر يخالفها، وفي كلّ الإنجازات الّتي حقّقها في حياته، والّتي لا تزال ماثلة أمامنا.
إنّنا نقيم ذكراه اليوم، لا لنجدّد حزننا، بل لنجدّد الوفاء له، لمن أتعب نفسه من أجل أن يوصل إلينا فكرًا نقيًّا صافيًا، وفقهًا متجدّدًا، ووعيًا عميقًا للواقع، وإرادة وعزيمة وصلابة في الموقف تجاه من يحتلّ الأرض ويستبيح كرامة الإنسان، وعملًا دؤوبًا لم يتوقّف حتّى الرّمق الأخير، من أجل خدمة الإنسان، كلّ الإنسان، والارتقاء به على كلّ الصّعد.
إنّنا نريد لذكراه أن تكون حافزًا لنا لنتابع ما بدأه من العمل لإبقاء الإسلام نقيًّا صافيًا حيًّا حاضرًا في كلماتنا ومواقفنا وفي كلّ خطواتنا، وفي العمل للوحدة الإسلاميَّة الَّذي كان يراه دينًا يدين الله به، واللّقاء بين أتباع الدّيانات السّماويّة أو على الصّعيد الوطنيّ، واعتبار لغة الحوار هي طابع العلاقة بينهم، بدلًا من التَّباعد والتَّقاطع والصّراع، والعمل لبناء القوَّة داخل الأمَّة في عالم كان دائمًا يقول إنَّه لا يحترم فيه إلّا الأقوياء.
فكان يقول كونوا الأقوياء في الفكر والسّياسة والاقتصاد، ولا تكونوا مستهلكين لما يمليه عليكم الآخرون، بل منتجين على صعيد الأفراد والمجتمع والدّولة، وفي العمل لدولة كان يريدها دولة القيم الأخلاقيّة والإنسانيّة، في بلد عنوانه أنّه يحتضن في داخله كلّ الرّسالات السّماويَّة الّتي جاءت لتعزّز القيم في الإنسان وفي الحياة، دولة تحترم إنسانيَّة الإنسان فيها لإنسانيّته، دولة قادرة على حماية إنسانها وأرضها، وتأمين عزّته وكرامته، بتعزيز عناصر القوّة فيها، لا ترضخ لمحتلّ أو غاز وطامع، قوّتها في تعزيز عناصر القوَّة فيها لا في ضعفها، والّذي تجلّى في دعمه واحتضانه للمقاومة في لبنان وفلسطين، وفي استمرار العمل لبناء مؤسَّسات كان يريد منها أن لا يبقى فقير أو يتيم أو مسنّ أو معوّق لا يجد من يؤمّن له سبل العيش الكريم أو ما يأويه، وفي العمل للدّعوة لعالم عربيّ إسلاميّ متعاون متكاتف متآلف قادر على مواجهة التّحدّيات، وخصوصًا في فلسطين، والارتقاء في سلّم الحضارة، وإلى عالم لا يستضعِف الأقوياء فيه الضّعفاء، ولا تستباح فيه مقدّرات الشّعوب وأمنها.
أيُّها الأحبَّة، إنّ ارتباطنا بالسّيّد (رض) لا يكون ارتباطًا بشخصه، وهو من كان يرفض عبادة الأشخاص، بل بخطّ وفكر ونهج وأهداف بذل كلّ حياته من أجلها.
رحمك الله يا والدي، وأبقى نهجك حيًّا في قلوبنا وعقولنا، لنستلهمه في كلّ حركتنا وحياتنا.
ألقيت في 3-7-2026