نقترب من الأجواء التي عاشها رسول الله (ص) وأثارها، لنأخذ منها بعض المواقف الَّتي قد نتعلّم منها الكثير ونصحِّح الكثير.
ففي حجّة الوداع ـــ في أكثر من رواية ـــ أنَّ النبيّ (ص) وقف خطيباً بالنِّاس في (منى) في يوم عيد الأضحى، وسألهم:
أي ومٍ هذا؟ قالوا: يوم النَّحر، أيّ شهر هذا؟ قالوا: الشّهر الحرام، أيّ بلد هذا؟ قالوا: البلد الحرام. ثم قال، كما في ـــ الرواية ـــ مع اختلاف بعض التّعبيرات: "إنّ حرمة دمائكم وأموالكم - وربما قال: وأعراضكم - كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا لا ترجعنّ بعدي ضلَّالاً ـــ في رواية، أو كفّاراً، في رواية أخرى - يضرب بعضكم رقاب بعض - وفي بعض الرّوايات: ويلعن بعضكم بعضاً - ألا فليبلِّغ الشَّاهد الغائب، فلعلَّ من يبلغه أوعى ممَّن سمعه".
فكيف نأخذ هذه الكلمات الَّتي قالها رسول الله (ص) لمن حضر هناك، ولكنَّه أراد أن نسمع ذلك، وقد بلغنا ذلك، فكيف نواجه الموقف؟
إنَّ النبيَّ (ص) كان مسلماً كاملاً بكلِّه، وكما استوحينا من القرآن، فقد كان يقبل حتى النَّاس الذين لا يعتقدون بالإسلام، ولكنَّهم كانوا يدخلون في الإسلام نتيجة رغبة أو رهبة أو مصلحة أو ما إلى ذلك، لأنَّه كان يريد أن يخرج الناس من مجتمع الكفر إلى مجتمع الإسلام ليعيشوا فيه، عسى أن يفتح ذلك عقولهم من الموقع القريب على كلّ آفاق الإسلام، وربّما يقرّبهم إلى مفاهيمه وإلى عقائده وشرائعه.
ومن خلال ذلك، نفهم أنَّ علينا عندما نتحدَّث عن المسلمين، أن نتحدَّث عن كلِّ هذه الساحة الإسلاميَّة، حتى الذين نختلف معهم في بعض الخطوط الأصيلة، عندما تتَّصل المسألة بالواقع السياسي والواقع الاجتماعي للمسلمين، والواقع الذي يواجه فيه المسلمون الاستكبار العالميّ في كلّ مواقعه، والكفر العالمي في كلّ ساحاته، فهنا لا بدَّ للمسلمين، مهما اختلفوا مذاهبَ وأفكاراً وطرقاً، أن يلتقوا على كلمة الإسلام، لينصروا الإسلام كلّه، وليدخلوا معارك المسلمين كلّها، حتى إذا ارتاح الإسلام واستقرّ وقوي وحصل على موقع العزّة والقوّة والكرامة، فعند ذلك يمكن أن نتناقش ونتنازع، والله تعالى يريدنا أن لا نتسابب ولا نتلاعن، لأنّه أنكر على المسلمين أن يسبّوا الَّذين يدعون من دون الله بغير علم، ذلك لأنَّ الفعل السلبي ضدَّ الآخر يتحوَّل إلى ردّ فعل سلبيّ ضدّ مقدَّساتك: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ}[الأنعام: 108].
العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله(رض)