لقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين ومما جاء في خطبتيه :
الخطبة الاولى :
قال الله سبحانه وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}. صدق الله العظيم.
في مثل هذا اليوم، وفي الثَّالث عشر من شهر رجب الحرام، كانت الولادة المباركة لأمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب (ع)، هذا الإمام الَّذي شاء الله سبحانه أن تكون ولادته في أقدس بقعة وأشرف أرض، في بيته الحرام، وأن ينعم باحتضان رسول الله (ص) وتربيته ورعايته، بعدما كفله من عمّه أبي طالب وله من العمر ستّ سنوات، فأخذ من رسول الله (ص) علمه وحلمه وأدبه وخلقه العظيم. وهو ما أشار إليه في إحدى خطبه في "نهج البلاغة"، حيث قال: "ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُه اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّه، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِه عَلَمًا، ويَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِه".
وعندما نزل جبرائيل على رسول الله بالرِّسالة، كان عليّ (ع) أوَّل النَّاس إسلامًا، وقد أشار هو إلى ذلك، عندما قال: "اللَّهمِّ إني أوَّل من أناب وسمع وأجاب".
وفي ذلك، يقول ابن أبي الحديد شارح "نهج البلاغة": "ما أَقولُ في رجُلٍ سبقَ النَّاسَ إِلى الهُدى، وآمن بالله وعبَدَهُ، وكلُّ مَن في الأَرْضِ يعبدُ الحَجر، ويجحدُ الخالِق، لم يسبقهُ أَحدٌ إِلى التَّوحيد إِلّا السَّابق إِلى كلِّ خَيْرٍ، محمَّدٌ رَسُولُ الله (ص)".
سند الرّسول وعضده
وحين انطلق رسول الله (ص) بدعوته، كان عليّ (ع) له سندًا وعضدًا، في حمل المسؤوليَّة الثّقيلة الّتي قام بها منذ أن كان صغيرًا، حين كان يذبّ عنه ويقيه من أذى قريش الّتي كانت ترسل صبيانها لرمي الحجارة عليه، ووضع الأشواك في طريقه وهو يسير في شوارع مكّة وأزقّتها ليدعوهم إلى أن يقولوا لا إله إلّا الله، ومن أعلن عن استعداده مؤازرته بعدما نزلت عليه الآية {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، وقال (ص) لهم يومها بعدما بلغهم ما دعاه إليه الله: "فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر؟"، يومها أحجم القوم جميعًا ولم يقف إلَّا عليّ (ع)، وقال: "أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه"، رغم معرفته بحجم التّحدّيات الّتي ستواجه رسول الله (ص) ومن يقف معه في دعوته.
ولم يتردَّد بعد ذلك في أن يلبّي دعوة رسول الله (ص) له بأن يبيت على فراشه، يوم أراد الهجرة من مكَّة إلى المدينة، عندما قرّرت قريش اغتياله وهو نائم في فراشه، رغم معرفته (ع) أنَّ ذلك قد يكلّفه حياته، وأنَّ هناك أربعين فارسًا من قريش ينتظرون بزوغ الفجر لينقضّوا على هذا الفراش.. لم يسأل يومها عليٌّ (ع) عن حياته وما قد يتعرَّض له إن قام بذلك، رغم أنّه كان آنذاك شابًّا في مقتبل العمر، واكتفى بأن قال: "أوتسلمنَّ بمبيتي هذا يا رسول الله؟"، وعندما قال له: نعم، هذا ما وعدني به ربّي، قال (ع): "امض لما أمرت". عندها، نزلت هذه الآية على رسول الله (ص) الَّتي أظهرت منطلقات عليّ (ع)، والأهداف الّتي كان يريدها في كلّ حياته: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}.
وهو كان في الحروب الّتي واجه فيها رسول الله (ص) والمسلمون المشركين واليهود، فقد كان عليٌّ المتصدِّر فيها، شهدت على ذلك بطولاته في بدر وأحد وخيبر وحنين، فكان فارس تلك المعارك وبطلها، وفي الوقت نفسه، كان المعبّر عن علم رسول الله (ص)، والّذي قال: "أنا مدينةُ العِلمِ وعليٌّ بابُها، ومَنْ أَرَادَ الدّخولُ إلى المدينة، فَلْيَأْتِهِا مِنْ بَاب عليّ".
الحامل أمانة الإسلام
وقبل أن يغادر رسول الله (ص) الحياة، أودعه أمانة الإسلام من بعده، فليس غير عليّ (ع) قادر على قيادة السّفينة والإبحار بها إلى شاطئ الأمان، وهذا ما عبّر النّبيّ (ص) عنه عندما وقف أمام المسلمين الّذين تجمّعوا في غدير خمّ بعد حجّة الوداع، وقبل أن يغادر كلّ إلى بلده، ليبلّغهم ما أمره الله به، وقال لهم: "ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفُسِهم؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: من كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه؛ اللَّهمَّ انصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه كيفما دار"، وقد جاءت الأيَّام والأحداث لتؤكِّد هذه الحقيقة، وأنّه الأمين على الإسلام والمسلمين.
ونحن اليوم، وفي ذكرى ولادته، سنغتنم الفرصة لنشير إلى بعض المواقف الّتي جسّد فيها عليّ (ع) هذه الفضائل، لا لنكتفي بأن نمجِّد عليًّا، بل لنقيس أنفسنا من خلالها، حتّى نتأكَّد هل نحن فعلًا من شيعته ومحبِّيه ومواليه:
نهج العدل والإيمان
الموقف الأوَّل: حين جاء إليه مالك الأشتر، بعدما تكاثر خصوم عليّ في مواجهة مشروعه الإصلاحيّ، وقال له: يا أمير المؤمنين… قلَّ العدد، وأنت تأخذهم بالعدل، فإن تبذل المال يا أمير المؤمنين، تمل إليك أعناق الرّجال، وتصفو نصيحتهم لك، وتستخلص ودَّهم. فقال (ع) له: "أمَّا ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل، فإنَّ الله يقول: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}، فأنا من أن أكون مقصِّرًا فيما ذكرت أخوف، وأمَّا ما ذكرت من أنَّ الحقَّ ثقيل عليهم، ففارقونا لذلك، فقد علم الله أنَّهم لم يُفارقونا من جَوْر، ولا لجأوا إذ فارقونا إلى عَدْل، ولم يلتمسوا إلّا دنيا زائلة عنهم كأن قد فارقوها؛ وَلَيُسْأَلُنَّ يوم القيامة: أللدّنيا أرادوا، أم لله عملوا...؟"، فقال له الأشتر: "والله صدقت يا أمير المؤمنين".
لقد كان عليّ (ع) قادرًا على أن يجتذب قلوب النّاس من حوله، وكان يعرف من أين تؤكل الكتف، ولكنّه ما كان يريد أن يكسب أحبّاء أو أصدقاء ومن يهلّلون له على حساب الإسلام الَّذي أفنى حياته من أجله، ومصالح النَّاس ومستقبلهم الّذي كان يرى نفسه معنيًّا بهم.
سبيل معرفة الحقّ
الموقف الثَّاني: عندما جاء إليه ولده محمّد بن الحنفيّة في معركة الجمل يقول له: أيمكن أن نكون نحن على حقّ، وكلّ هؤلاء - الّذين كان فيهم الكثير من أصحاب رسول الله - على باطل!؟ قال له الإمام (ع): "يا بني، إنّك لملبوس عليك، إنَّ الحقّ والباطل لا يُعرفان بأقدار الرّجال، بل الرّجال يعرفون بالحقّ أو بالباطل؛ اعرف الحقّ تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله". وهو بذلك أراد أن يشير بكلامه لولده ولنا أيضًا، إلى الأسلوب الّذي به نعرف الحقّ من الباطل، بأن نعرفه من خلال الوعي لحقيقة ما هو الحقّ وما هو الباطل؛ هو لا يُعرَف من خلال العناوين الّتي عليها الأشخاص والمواقع الّتي يحملونها، بل يعرفون بالتزامهم بمقاييس الحقّ ومدى ابتعادهم عمَّا يؤدّي إلى الباطل.
مسؤوليّة انتقاد الحاكم
الموقف الثَّالث: قوله: "وقَد كَرِهتُ أن يَكونَ جالَ في ظَنِّكُم أنّي أُحِبُّ الإِطراءَ، وَاستِماعَ الثَّناءِ، ولَستُ – بِحَمدِ اللهِ – كَذلِكَ، وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذلِكَ، لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطًا لله سُبْحَانَهُ… فَلا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَلا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ، وَلا تَظُنُّوا بِىَ اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي، وَلا الْتمَاسَ إِعْظَام لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ، أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ. فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَة بِحَقٍّ، أَوْ مَشْوَرَة بِعَدْل، فإنِّي لستُ في نَفسي بفوقِ ما أن أُخطِئَ، ولا آمَنُ ذلك مِن فِعلي".
لقد أراد الإمام (ع) من خلال حديثه عن أسلوب التَّعامل معه أن يعلِّمنا الجرأة في انتقاد الحاكم والمسؤول في أيّ موقع كان، دينيًّا أو اجتماعيًّا أو سياسيًّا، أن لا نجامله ونسكت على ما يراه من أخطاء في الحاكم رغبةً بالتّقرّب منه أو رهبة، مهما بلغ شأنه وموقعه، وهو أراد من ذلك للحاكم والمسؤول، أن لا يرى نفسه فوق النَّقد، وأن يصغي إلى الّذين ينتقدوه.
الاقتداء بعليّ (ع)
أيّها الأحبَّة: هذا هو عليّ في أخلاقه وعدله وعلمه وإنسانيَّته، وهو لن يكتفي منّا في يوم ولادته للتّعبير عن ولائنا له، ووفائنا لكلّ التّضحيات الّتي قدّمها، أن نبدي له مشاعرنا وعواطفنا، أو أن نقيم الموالد له، بل أن يكون كلّ منّا على صورته في عبادتنا وأخلاقنا وإنسانيّتنا والتزامنا بالحقّ والعدل، بأن نرتقي إلى كلّ الآفاق الّتي عاشها، وأن نعمل بما دعانا إليه عندما قال: "ألا وإنَّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفّة وسداد"، وبذلك نستحقّ أن نكون من أتباعه وشيعته، ومن المنضوين تحت لوائه، ونكون زينًا له لا شينًا عليه.
السَّلام عليك يا أمير المؤمنين، السَّلام عليك يا سيِّد الوصيِّين، السَّلام عليك يا إمام المتَّقين، أشهد أنَّك قد أقمت الصَّلاة، وأتيت الزّكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر حتّى أتاك اليقين.
الخطبة الثَّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به الإمام محمَّد الجواد (ع)، هذا الإمام الّذي استعدنا ذكرى ولادته المباركة في العاشر من شهر رجب، عندما قال: "أوصيكم بثلاث مَن كُنَّ فيه لم يندمْ: تَرْك العَجَلة، والمشورة، والتّوكّل على الله عزَّ وجلَّ عند العزم، فإنّ التّأنّي من الله، والعجلة من الشّيطان... ومن شاور النَّاس شاركهم عقولهم، وما خاب مَن استشار، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ".
أيّها الأحبَّة... إنّنا أحوج ما نكون إلى هذه الوصيَّة الّتي تدعونا، وحتّى لا نندم، إلى أن نتأنّى في اتّخاذ القرارات والمواقف وإطلاق الكلمات، أن لا نستعجل فيها، بل نتّخذها بناءً على دراسة ووعي وتدبّر لنتائجها، وأن يكون مبدأنا في الحياة أن نشاور من يملكون القدرة على تسديدنا وإعطائنا الرّأي الصّحيح في كلّ ما نريد أن نقدم عليه، فمن شاور النّاس شاركهم في عقولهم، وما خاب من استشار، وفي ذلك التزام بأمر الله عندما قال: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}، وأن نرى الله حاضرًا في حياتنا، وأنّه خير سند ومعين عندما تواجهنا الضّغوط وتعصف بنا الأزمات، وهو عند وعده عندما قال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، وبذلك سنكون أقوى وأقدر على مواجهة التّحدّيات.
سنة مليئة بالاعتداءات
والبداية من لبنان الّذي يطوي فيه اللّبنانيّون سنة كانت مليئة بالتّحدّيات والآلام والأحزان بفعل اعتداءات العدوّ الصّهيونيّ، والّتي لم تتوقّف رغم قرار وقف إطلاق النَّار واستجابة لبنان الدّولة والمقاومة لهذا القرار، فيما لا يبدو أنَّ السّنة الجديدة ستحمل إليهم ما يصبون إليه من أمن وأمان واستقرار، بل قد يسعى العدوّ فيها إلى المزيد من الضّغوط لتحقيق الأهداف الّتي يريدها من هذا البلد، والّتي لن تقف عند سحب السّلاح من جنوب اللّيطانيّ، بل سيسعى إلى المطالبة بنزعه من كلّ لبنان، وإنشاء منطقة أمنيّة منزوعة السّلاح، والّتي تمسّ أكثر من ستّ وثلاثين قرية لبنانيّة، والسّماح له بحريّة الحركة في كلّ لبنان لاستهداف أيّ مكان يدّعي أنّه تهديد له، من دون أن يقدّم أيّ التزام بتنفيذ ما عليه من بنود الاتّفاق، مستفيدًا في ذلك من تفوّقه العسكريّ، ومن التّغطية الدّوليّة الّتي تأمّنت له.
ولعلَّ من المؤسف هنا القول إنَّ كلّ المبادرات تجاه لبنان، واللّقاءات الّتي تحصل على اسمه، تدعو الدّولة إلى الإسراع في تنفيذ ما تدعى إليه لسحب السّلاح من الأراضي اللّبنانيّة كافّة، من دون أن يقوم أصحابها بالضّغط على الكيان الإسرائيليّ لإلزامه بتنفيذ المطلوب منه؛ بل نجد من يشجّع هذا الكيان على الاستمرار في اعتداءاته وممارسة ضغوط أكثر على لبنان واللّبنانيّين.
مسؤوليّة الدّولة واللّبنانيين
ومن هنا، فإنّنا نجدّد دعوتنا الدّولة اللّبنانيّة المعنيَّة بالحفاظ على سيادة هذا البلد وأمن مواطنيه، إلى القيام بدورها، وبذل أقصى جهودها، لمنع العدوّ من تحقيق هذه الأهداف، بإصرار لبنان على مواقفه الّتي تدعو الدّول الرّاعية إلى وقف إطلاق النّار، بإلزام العدوّ بتنفيذ التزاماته الّتي تفرض عليه إيقاف اعتداءاته، والانسحاب من المواقع الّتي احتلّها، وإطلاق سراح الأسرى من سجونه، وأن يستعين على ذلك بعناصر القوّة الّتي يمتلكها في الدّاخل، والّتي لا ينبغي التّقليل من شأنها، واستنفار علاقاته في الخارج... ويبقى الأهمّ تعزيز الوحدة الدّاخليَّة، وإزالة كلّ دواعي الانقسام الّتي تهدّد مناعة هذا البلد وقدرته على مواجهة التّحدّيات.
في الوقت الّذي نجدّد دعوتنا اللّبنانيّين إلى وعي خطورة هذه المرحلة الّتي ترسم فيها خرائط جديدة للمنطقة، والّتي قد لا يكون لبنان بمنأى عن تداعياتها، ما يدعوهم إلى تجميد خلافاتهم، والكفّ عن تسجيل النّقاط، أو التَّصويب بعضهم على بعض، بما يؤدّي إلى زيادة منسوب التّوتّر، بل أن تنصبّ كلّ الجهود للحفاظ على بلد هو في دائرة الاستهداف، ومهدّد في مصيره ومستقبله، وسيدفع الجميع الثّمن إذا حقّق العدوّ أهدافه فيه...
ونحن هنا نجدّد دعوتنا لكلّ من هم في مواقع المسؤوليّة والقرار، إلى التّلاقي لدراسة كيفيّة مواجهة هذا التّحدّي والخروج منه، بدلًا من التّراشق الجاري بالاتّهامات، للوصول إلى موقف موحّد، حتّى لا يبقى البلد أسير الانقسام الّذي نشهده، والّذي يستفيد منه العدوّ وكلّ من لا يريد خيرًا به.
التّحدّيات الاقتصاديّة
ونحن في الوقت الَّذي نشير إلى التّحدّي الأمنيّ الّذي نواجهه في هذه المرحلة، لا بدّ لنا من أن لا نغفل عن أهميّة مواجهة التّحدّي الاقتصادي والماليّ الّذي من الطّبيعيّ أن يترك تداعياته على الصّعيد السّياسيّ والأمنيّ، وأن يكون وسيلة ضغط على الدّولة اللّبنانيّة واللّبنانيّين، ما يدعو الدّولة اللّبنانيّة إلى العمل بكلّ جهد لمعالجة جادّة ومدروسة على هذا الصّعيد، والقيام بكلّ الإصلاحات الّتي تضمن تحسين الوضع الاقتصاديّ وعودة الانتظام الماليّ للدّولة، وبما يضمن تأمين احتياجات المواطنين على الصّعيد المعيشيّ، وعودة أموال المودعين كاملة إليهم.
تغييبُ العربِ عن المشهد!
ونتوقّف عند اللّقاء بين الرّئيس الأميركيّ ورئيس وزراء العدوّ الّذي أريد منه أن يرسم معالم المرحلة القادمة، مستفيدًا ممّا تحقّق على الصّعيد العسكريّ والأمنيّ، بهدف بناء شرق أوسط جديد يكون فيه للكيان الصّهيونيّ اليد الطّولى، وإذا كان هناك أدوار لدول أخرى، فهي سوف تكون على هامش الدّور الأميركيّ الصّهيونيّ أو تحت سيطرته..
يأتي ذلك في ظلّ تغييب واضح لحضور العالم العربيّ والإسلاميّ، بحيث اتّخذت القرارات الّتي تتعلّق بمصيره من دونه، وقد تكون على حساب دوله. إنّ من المؤسف أن يجري ذلك في وقت تستعر فيه الصّراعات داخل هذا العالم، والانقسامات الحادّة فيه، والّتي تأخذ بعدًا طائفيًّا ومذهبيًّا أو قوميًّا أو سياسيًّا أو أمنيًّا، ما ساهم ويسهم في تعزيز العدوّ لمواقعه ونفوذه، ويدعوه إلى أن يواصل اعتداءاته الّتي تحصل كلّ يوم في فلسطين ولبنان وجنوب سوريا، وإلى تهديد إيران، بعد أن وصلت أطماعه إلى مدّ نفوذه إلى أرض الصّومال، بما يمكّنه من التّحكّم بأمن المنطقة ومصيرها...
ومن هنا، فإنّنا ندعو الدّول العربيّة والإسلاميّة إلى مزيد من الوعي لما يحاك لها، وأن تسارع إلى توحيد جهودها والتّكاتف فيما بينها ونبذ خلافاتها، لمواجهة ما يتهدّدها، وهي القادرة بما تمتلك من ثروات وإمكانات ونفوذ، ما يجعل حضورها فاعلًا ومؤثّرًا وقويًّا، وأن توفّر شبكة أمان للمنطقة هي أحوج ما تكون إليها..
*