الأخذ بأسباب التوكّل على الله أمام قسوة التحدّيات
قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. صدق الله العظيم.
الأخذُ بأسبابِ التَّوكّل
لقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى واحدة من أبرز علامات الإيمان، وهي أن يكون مبدأهم التّوكّل على الله، بأن يعتمدوا عليه، ويستندوا إليه في مواجهة التّحدّيات والصّعوبات والمخاوف، وذلك إيمانًا منهم وثقةً بأنَّ الله عزَّ وجلَّ حاضر في ساحة الحياة، وهو معهم مؤيّدًا وناصرًا ومعزًّا ومقوّيًا.
وهذا لا يعني، كما يعتقد البعض، عدم الأخذ بالأسباب، فالتّوكّل على الله سبحانه وتعالى والاستناد إليه، يكون بعد الأخذ بالأسباب وقيام الإنسان بما عليه. فالمتوكّل حقيقةً هو من يقول: يا ربّ، أنا عملت ما أمكنني القيام به، وأسألك أن تعينني على الأمور الّتي هي خارجة عن قدرتي، أو ممّا هو في الغيب عندك.
وهو ما عبّر عنه موقف الرَّسول (ص) بعدما نزلت هذه الآية: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}، فبعد نزولها، انقطع بعض الصَّحابة عن التّجارة والعمل، وجلسوا للعبادة قائلين: "إنْ كانَ الله قد كفانا الرّزق، فلِمَ النَّصب؟"، فلمَّا بلغ ذلك النَّبيّ (ص)، أرسل إليهم وسألهم عن سبب صنيعهم، فأخبروه، فزجرهم الرَّسول (ص) وقال لهم: "لا تفعلوا؛ فإنَّه من لم يعمل، لم يستجب له".
وقد قال بعضهم لرسول الله (ص) في أمر النَّاقة: أعقلها وأتوكَّل؟ أو أُطْلِقها وأتوكَّل؟! فقال (ص): "اعقلها وتوكّل".
وعد الله للمتوكّلين
وقد وعد الله سبحانه وتعالى المتوكّلين بأنّه سيكفيهم، فقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.
وفي الحديث: "من توكّل على الله، ذلّت له الصّعاب، وتسهّلت عليه الأسباب".
وحتّى يثبت الله عزّ وجلّ هذه الحقيقة، أشار إلى ما قاله رسول الله (ص) لصاحبه يوم لاحقه المشركون ووصلوا يومها إلى فم الغار وكادوا يدخلون عليهما: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
وفي مواقف أخرى، لفت سبحانه إلى ما حصل للمسلمين الَّذين عبّروا عن توكّلهم على الله عزَّ وجلَّ بعد معركة أحد، حين قرّر أبو سفيان الدّخول إلى المعركة... قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}.
التوكّل أمام التحدّيات
أيّها الأحبّة، إنّنا معنيّون بالتّوكّل على الله أمام التّحدّيات الّتي نواجهها، بأن يعيش الله سبحانه وتعالى في أعماق قلوبنا، فنعيش الثّقة به أكثر من ثقتنا بغيره، ودعاؤنا: "اللَّهُمَّ مَنْ أَمْسَى أَوْ أَصْبَحَ، وَلَهُ ثِقَةٌ أَوْ رَجَاءٌ غَيْرُكَ، فَإِنِّي أَصْبَحْتُ وَأَمْسَيْتُ وَأَنْتَ ثِقَتِي وَرَجَائِي فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، فَاقْضِ لِي بِخَيْرِهَا عَاقِبَةً، وَنَجِّنِي مِنْ مُضِلاَّتِ الْفِتَنِ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الخطبة الثّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصانا به الله سبحانه وتعالى عندما قال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ}، فقد أراد لنا أن نبقي التّعاون بيننا في مواجهة الظّروف والتّحدّيات، بأن نعين بعضنا بعضًا، ونشدّ بعضنا بعضًا، ونخفّف من هموم بعضنا بعضًا، أن نكون كما دعانا رسول الله (ص): "مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى"، وأن نكون "كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضًا". والله وعد أنّه "في عَونِ العَبْدِ ما كان العَبْدُ في عَونِ أخيهِ".
ومتى حرصنا على ذلك، سنكون أقوى وأقدر على مواجهة التّحدّيات، وما أشدّها!
العدوان المستمرّ
نلتقي اليوم، أيّها الأحبَّة، بعد عدوان استمرّ لأكثر من أربعين يومًا، ولم تنته تداعياته، عانينا منه ولا نزال نعاني، من تهجير، وتدمير لعشرات الآلاف من المباني والبنى التّحتيّة، والّذي - مع الأسف - يستمرّ في قرى الشّريط الحدوديّ، وفقدنا خلالها أعزّاء وأحبّة، نفتقد اليوم حضورهم، تاركين فينا ألـمًا وحسرةً وإحساسًا بالمسؤوليَّة في أن نحفظ آمالهم وطموحاتهم وأحلامهم، في وطن كان كلّ همّهم أن يكون عزيزًا حرًّا كريمًا، لا يخضع لطامع ولا غازٍ ولا محتلّ...
خيار الصّبر والثّبات
إنّنا أمام كلّ هذه الجراحات النّازفة، والّتي لا زلنا نخشى أن تستمرّ في ظلّ هدنة هشَّة لا يزال العدوّ يملك حريّة العدوان خلالها، لا خيار لنا إلّا أن نصبر، ولا خيار إلّا الثّبات على ما آمنَّا به وسنبقى نؤمن به، ولا خيار لنا إلّا أن نكون أعزّاء أحرارًا كرماء في هذا الوطن الَّذي تجذَّرنا فيه، والّذي لم نفكّر يومًا أن يكون لنا وحدنا، بل لكلّ من يعيش معنا فيه.
وأن نكون أوفياء لكلّ الدّماء الطّاهرة، والجراحات النّازفة، من الشّهداء الّذين ارتقوا حمايةً للوطن، ولهذا الشّعب الصّابر الّذي يتحمّل ألم التّهجير والنّزوح، في الوقت الّذي نطالب الدّولة المعنيَّة بكلّ مواطنيها، ولا سيَّما من يعانون، أن تتحمّل المسؤوليّة تجاههم، وهم الّذين من حقّهم عليها أن لا تفرّط بما ائتمنت عليه من حياتهم وأرزاقهم وممتلكاتهم وعزّتهم وكرامتهم، وأن لا تتنازل عن حبّة تراب واحدة في هذا الوطن.
مسؤوليّة الدّولة
إنّنا نعي حجم الضّغوط الّتي تمارس على هذا الوطن، بفعل القوّة الّتي يمتلكها العدوّ، والدّعم الّذي يحظى به، ولكنَّنا نعيد التّأكيد أنَّ كلّ ذلك لا يدعو الدّولة إلى التّسليم له، والخضوع لإملاءات تمسّ أرض الوطن وإنسانه، بقدر ما يدعوها إلى بذل جهودها، من أجل استجماع كلّ عناصر القوّة الدّاخليّة الّتي يقرّ العدوّ هو بجدواها وتأثيرها، والخارجيّة ممّن لا يزالون يقفون مع هذا البلد، ويريدون الخير له ودعمه، وذلك للوصول إلى ما ندعو إليه من إيقاف العدوان، وانسحاب العدوّ من الأراضي الّتي احتلّها، واستعادة الأسرى، وإعادة الإعمار، وتحرير كامل تراب الوطن بدون شروط مذلّة تملى عليها، بعد أن أكّدت كلّ التّجارب السّابقة، أنّ العدوّ لن يهبها للّبنانيّين بالمجَّان، بل هي تحصل نتيجة جهودهم وعملهم الدّؤوب وتضحياتهم.
في الوقت الّذي نريد للّبنانيّين أن يوحّدوا جهودهم، وأن يخرجوا من انقسامهم الّذي يستفيد منه العدوّ ويراهن عليه، وأن يدرسوا سبل الخروج ممّا سيعانونه جميعًا إذا استمرّ العدوان، لأنّ نتائجه لن تكون على حساب طائفة أو موقع سياسيّ، بل على حساب كلّ الوطن، وعلى مستقبله وحريّة قراره وإنسانه.
تنويه باحتضان النّازحين
ونبقى على الصّعيد الدّاخليّ، لننوّه بالاحتضان الّذي حصل من اللّبنانيّين جميعًا، بكلّ طوائفهم ومذاهبهم، ولا يزال، للّذين اضطّروا قسرًا لمغادرة أرضهم، والتّوّاقين للعودة إليها، وتجاوزوا في ذلك كلّ الحسابات الموجودة في هذا البلد، وقدَّموا أنموذجًا في وحدة اللّبنانيّين وتماسكهم.
نجدّد دعوتنا للدَّولة أن تتابع دورها ومسؤوليّتها في مساعدة من غادروا بيوتهم قسرًا، وهو من حقّهم عليها... ولا ننسى هنا ما قامت به دول وجمعيّات ومؤسَّسات وأفراد في صمود أهلنا، ومنحهم القدرة على حفظ كرامتهم وتأمين احتياجاتهم.
ك: التوكل على الله، التوكل، لبنان، إسرائيل، الحرب، النزوح.