28/05/2026

الحج مدرسة التسليم لله والتوكل عليه

الحج مدرسة التسليم لله والتوكل عليه

[خطبة الجمعة]
الحجّ: مدرسة التّسليم لله والتوكّل عليه
قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}. صدق الله العظيم.
دخلنا في رحاب شهر ذي الحجَّة، هذا الشَّهر الّذي تؤدّى فيه فريضة الحجّ الّتي أوجبها الله على كلّ من تتوافر لديهم الاستطاعة، عندما قال: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}.
ونحن في أجواء هذه الفريضة المباركة، سنطلّ على حياة واحد من أنبياء الله ممّن ارتبطت هذه الفريضة باسمه، وهو النّبيّ إبراهيم (ع)، والّذي على يديه ويدي ولده إسماعيل رفعت قواعد الكعبة المشرّفة، وأعدّت للطّائفين والعاكفين والرّكّع السّجود، وإلى ذلك أشار الله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
ونحن اليوم سنتوقَّف عند واحدة من مآثر هذا النّبيّ، لنتعلّم منه الدّروس والعبر.
امتثال إبراهيم لأمر الله
فقد ورد أنّه حين كان في فلسطين، جاء الأمر إليه من الله بأن يأتي بزوجته وولده الرّضيع آنذاك إسماعيل إلى مكّة المكرَّمة، وأن يتركهما في هذه الأرض. لم يتردَّد النّبيّ إبراهيم يومها بتنفيذ هذا الأمر الإلهيّ.
وما إن وصل إلى ذلك المكان، حتّى أقام لهما خيمة في هذا الوادي، وأمّن لهما ما تيسَّر من الطّعام والماء، بعدها أخبر زوجته بأنَّ عليها البقاء مع وليدها الرّضيع إسماعيل ... وهنا، لـمّا لوى رأس دابّته يريد السّير، أمسكت زوجته برأس دابّته تريد منعه وتتوسّل به أن لا يتركها، وكيف يتركها ولا بشر معها ولا زرع ولا ماء تؤمّنه لوليدها الرّضيع، لكنّه طمأنها: لو كان الأمر أمري لما فعلت، فأنا لا أفرّط بك ولا بولدي، ولكنَّ الأمر أمرُ الله، فهو عزَّ وجلَّ من أمرني أن أضعكما في هذا المكان، والله سيكفيكما.
هنا هدأت السّيّدة هاجر، واطمأنّت وقالت لإبراهيم (ع): إذا كان الأمر أمر الله، فالله لن يضيّعنا.
ودَّعهما وغادر المكان، ولـمّا وصل إلى مكانٍ لم يعد يراهما فيه، رفع ناظريه إلى السَّماء داعيًا ربَّه مبتهلًا: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}.
بحث هاجر عن الماء
مرَّت الأيّام سريعًا، ونفد الطّعام والماء، فاندفعت هاجر تهيم على وجهها باحثةً عن طعام وشراب لضمان حياة وليدها، فلاح لها عن بعد بريق من المكان المسمَّى الصّفا ظنّته ماءً، فهرولت نحوه، ولكنّها لـمّا وصلت وجدته سرابًا، ثمّ خُيّل إليها أنّها رأت ماءً في المكان المسمَّى المروة في الجهة المقابلة، لكنّها وجدته سرابًا، وبقيت على هذه الحال تهرول بين الصّفا والمروة، حتّى قطعت سبعة أشواط في سعيها.. وما إن انتهت من الشّوط السّابع، حتّى سمعت صوتًا ينبعث من حيث أودعت وليدها إسماعيل، فوجدت الماء يتدفَّق بين قدميه، فراحت تزمّه بيديها خشية أن يغور في الأرض، ولذلك سمِّي ماء زمزم.
نعم الله في الوادي
في ذلك الوقت، لاحظت قبيلة جرهم، وهي إحدى قبائل العرب، وكانت تنزل في جبل عرفات، الطّيور تهبط وترتفع في ذلك المكان، وهو دلالة على وجود الماء، وما إن وصلوا إلى المكان، حتّى وجدوا عينًا تفور فيها المياه الصّافية الباردة، فنزلوا يرتوون، واستأذنوا بعدها السّيّدة هاجر في النّزول في ذلك المكان، فأذنت لهم، فأمّنوا لها ولوليدها ما تحتاج إليه من طعام وشراب، وبعد فترة وجيزة، جاء النّبيّ إبراهيم إلى ذلك المكان يتفقّد أهله، فوجد نعم الله تتدفّق عليهما ماءً ولبنًا وطعامًا وحماية، فشكر الله وحمده على ما أنعم به عليه وعلى زوجته وولده، ليبني، وبأمر الله مع ولده إسماعيل الكعبة المشرَّفة، لتكون مهبط أفئدة النّاس ومكان حجّهم.
نتائج الثّقة بالله
أيُّها الأحبَّة: لقد أظهرت هذه الحادثة مدى عمق التزام النّبيِّ إبراهيم (ع) بأمر الله، فهو لم يتردَّد في الالتزام بأمرٍ دعاه إليه الله، حتّى لو أدَّى ذلك إلى أن يترك زوجته وولده في تلك الصَّحراء القاحلة الجرداء.
وتجلَّى هذا الالتزام في مواقف زوجته الّتي كانت نعم العون له على أداء ما دعا إليه ربّه، عندما سلّمت لما دعاها الله فبقيت وحدها مع طفل رضيع راضية مطمئنة، ولم تيأس ولم تستسلم ما دام الله معها.
وقد خلّد الله سبحانه هذه الحادثة، عندما جعل من سعي هاجر بين الصّفا والمروة وهي تبحث عن الماء، منسكًا من مناسك الحجّ، وأبقى ماء زمزم متدفِّقًا على مرّ العصور.
الالتزام بخطّ الله
وهو بذلك أراد أن يثبت لكلّ الوافدين للحجّ، ولكلّ المؤمنين، ولكلّ العاملين، صفة لا بدّ أن تصاحبهم في حجّهم وعندما يعودون منه، وهي التّسليم لله في هذه الحياة، بالأخذ بأوامره ونواهيه وكلّ ما دعا إليه، وقد بيّن الله عزّ وجلّ لهم أنّهم عندما يسيرون في طريق الله، فالله لن يدعهم يواجهون الحياة وحدهم، بل سيكون لهم ناصرًا ومؤيِّدًا ومعزًّا.
وقد بيّن القرآن الكريم ذلك عندما قال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}.
هذه القيمة هي عنوان الحج الّتي أراد الله للحجّاج أن يعبّروا عنها عندما يقولون له: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ"، حتّى لو كلّفهم ذلك تعبًا ومشقّة، ويعبّرون عنها في طوافهم بأنّهم سيكونون حول الله دائمًا ولن يطوفوا حول غيره، ويعبّرون عنه في سعيهم بين الصّفا والمروة، بأنّهم سيسعون إليه ولن يسعوا إلى غيره، وأنّهم عندما يقفون في عرفات والمشعر الحرام ويبيتون في منى، بأنّهم سيقفون حيث يريدهم أن يقفوا، ويبيتون حيث يريدهم أن يبيتوا، ويعبّرون عنه في بذلهم للأضاحي، بأنّهم سيضحّون من أجله، وفي رجمهم للشّياطين أنّهم سيقفون في وجه شياطين الجنّ والإنس وكلّ من يتحدَّى إرادته، وهذا هو ما نعبّر عنه بالتزامنا بالإسلام الَّذي يعني أن نسلّم حياتنا لله، بحيث نقف حيث يريد الله لنا أن نقف، ونسير حيث يريدنا أن نسير، ونرضى بقضائه، التزامًا بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}.
جعلنا الله من أولئك المسلّمين أمورهم إلى الله والله وحده، والواثقين بنصره وتأييده وإعزازه.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الخطبة الثّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بإحياء يوم عرفة، والَّذي يأتي يوم الثّلاثاء القادم إن شاء الله، هذا اليوم الّذي يعدّ من أعياد الله العظيمة، وإن لم يسمّ عيدًا.
وهو يوم دعا الله سبحانه وتعالى فيه عباده إلى طاعته وعبادته، وبسط لهم فوائد إحسانه وفضله وجوده، وقد ورد في الحديث: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ"، والّذي لا يقف إحياؤه على الحجّاج وهم يقفون على جبل عرفات، وإن كان له معنى خاصّ وبركات كثيرة على الواقفين هناك. لذلك كلّه، علينا القيام بإحياء هذا اليوم العظيم، والالتزام بما ورد فيه من صيام وصلوات وأدعية... ومنها دعاء الإمام الحسين (ع) في هذا اليوم، ودعاء الإمام زين العابدين (ع)، وأدعية أخرى، وصلاة ركعتين بعد العصر يستغفر الله بعدها الإنسان من ذنوبه...
أيُّها الأحبَّة، إنَّنا أحوج ما نكون إلى الأخذ بهذه الوصيَّة، والعمل بما تدعونا إليه، لننعم بمحبّة الله وعطائه وفضله، وننال ما عنده، ولنكون أقوى وأقدر على مواجهة التّحدّيات...
بين العدوان والضّغوط
والبداية من العدوان المستمرّ على لبنان الَّذي يستهدف الحجر والبشر، وكسب المزيد من الأراضي اللّبنانيّة، يحصل ذلك رغم الهدنة المعلنة الّتي أعلن عنها بعد المفاوضات الّتي جرت بين الدّولة اللّبنانيّة والكيان الصّهيونيّ، وبرعاية الولايات المتّحدة الأميركيَّة، ما يشير إلى عدم صدقيَّتها وهشاشتها، يأتي ذلك في إطار الضّغوط الّتي تمارس على لبنان لدفعه إلى الخيارات الّتي يريدها العدوّ الصّهيونيّ، والّتي تمسّ أمنه وسيادته وقراره الحرّ، وأن يجرّ لبنان إلى خطوات تترك تداعياتها على السّلم الأهليّ...
رفض المفاوضات تحت النَّار
إنّنا أمام ما يجري، ندعو الدّولة إلى أن تصرّ على ما وعدت به، بأنّها لن تدخل إلى المفاوضات قبل إيقاف تامّ لإطلاق النّار، وأن لا تسلّم لما يهدف إليه العدوّ في أن تكون مفاوضات تحت النّار.
إنّنا نعي حجم الضّغوط الّتي تمارس على الدّولة اللّبنانيّة، سواء تلك الّتي تحصل من العدوّ الصّهيونيّ أو من الإدارة الأميركيّة، والّتي شهدناها أخيرًا، ولكن هذا لا يعني التّسليم لما يراد لها السّير فيه، بل يدعوها إلى التّمسّك بما أخذته على عاتقها من إيقاف العدوان، وإزالة الاحتلال، وعودة الأهالي إلى قراهم، والأسرى من سجون العدوّ وإعادة الإعمار.. وهذا ليس خيارًا لها، بل هو واجب عليها ألزمت به نفسها، وهو ما ائتمنت عليه من قبل من أودعوها المسؤوليّة، وهي قادرة على ذلك إن هي استفادت بما تملكه من عناصر القوّة، وصبر شعبها، واستعداده للتّضحية، وبذل الغالي والنّفيس من أجل وطن نريده حرًّا وعزيزًا... ويبقى الأساس كما أشرنا، هو أن تكون حريصة على تعزيز الوحدة الدّاخليّة، حيث لا يمكن للبنان أن يصل إلى حقوقه، وأن يقف في وجه الضّغوط الّتي تمارس عليه، فالوحدة الدّاخليّة هي رأسمال لا ينبغي التّفريط فيه، بل لا بدّ من البناء عليه.
الوحدة.. والملفَّات الدَّاخليَّة
ومن هنا، فإنّنا نجدّد دعوتنا إلى التّلاقي بين مواقع الدّولة على الصّعيد الرّسميّ، لدراسة أفضل السّبل للخروج من التّردّي الّذي يعانيه لبنان واللّبنانيّون، وإلى مزيد من التّراص على الصّعيد الدّاخليّ، بحيث لا يبدو أنّ ما يجري يهمّ طائفة أو مذهبًا أو مواقع سياسيّة معيّنة، بل هو همّ كلّ اللّبنانيّين.
وفي الوقت نفسه، ندعو إلى المزيد من الوعي في مقاربة الملفَّات الدّاخليّة الحسّاسة، بحيث لا تهدّد السّاحة الدّاخليّة... كالّذي جرى في مسألة العفو، والّتي - مع الأسف - أعطيت طابعًا مذهبيًّا وطائفيًّا وسياسيًّا بدلًا من إبقائها في إطارها القانونيّ. ومن هنا، ننوّه بقرار جلسة مجلس النّوّاب للسّماح بالتّوافق العام الّذي نريده أن يأخذ بالاعتبار مقتضيات العدالة، والابتعاد عن كلّ الاعتبارات الطّائفيَّة والمذهبيَّة، وكلّ ما يمسّ أمن البلد واستقراره.
ونبقى في الدَّاخل، لنعيد التّأكيد على الدّولة بضرورة رعاية جادّة لمواطنيها. إنَّ من المؤسف أنّ الكثير من الأماكن الّتي أعدّت للنّاس يشكو منها النّازحون، فهي غير لائقة، وتفتقد مقوّمات الإيواء الكريم...
إنّنا نأمل من الدّولة أن تولي هذا الأمر اهتمامها، ليشعر المواطنون الّذين قدّموا كلّ غال ورخيص في سبيل الوطن، أنّهم في ظلّ دولة تحرص عليهم، وتكون في خدمتهم، ليطمئنوا لها وتزداد ثقتهم بها.
عيد المقاومة والتّحرير
ونتوقّف عند مناسبة عزيزة علينا، وهي عيد المقاومة والتَّحرير، الّتي تمرّ علينا في ذكراها السّادسة والعشرين من هذا الشَّهر شهر أيّار.
هذا العيد الّذي يأتي كلَّ سنة ليذكّر اللّبنانيّين بالإنجاز الَّذي حصل لهم، عندما توحّدت جهودهم، وتكتّلت قواهم، وتشاركوا في صنعه، وبالقوّة الّتي بلغوها، عندما استطاعوا أن يخرجوا العدوّ من أرضهم، ما جعل بعدها كلّ اللّبنانيّين ينعمون بنسائم الحريّة، ويشعرون بالعزّة، وبكرامة الانتماء إلى وطن لم يستجد أحدًا حتّى يحصل على أمنه واستقراره وحريّته، بل صنعته أيدي أبنائه.
الأربعاء: عيد الأضحى
وأخيرًا، نعيد الإشارة إلى أنَّ يوم عيد الأضحى سيكون، إن شاء الله، الأربعاء القادم في السّابع والعشرين من هذا الشَّهر، الّذي يمرّ علينا في هذه السّنة حزينًا بفعل من فقدنا من أحبّة وأعزّاء، سائلين المولى أن يربط على قلوب الجميع بالصَّبر، وأن يكشف هذه الغمّة عن هذه الأمَّة، وأن يمنّ علينا بالأمن والسَّلام، وعودة من غادروا أرضهم إليها أحرارًا أعزّاء وكرماء، إنّه سميع مجيب...
***
ك: الحج، إبراهيم (ع)، هاجر، إسماعيل، لبنان، إسرائيل، أمريكا.
اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير