01/02/2026

ولادة المهديّ (عج): الانتظار المسؤول والتَّمهيد بنشر العدل

ولادة المهديّ (عج): الانتظار المسؤول والتَّمهيد بنشر العدل

 
 

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين ومما جاء في خطبتيه :
 
الخطبة الأولى 
 
قال الله سبحانه وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} صدق الله العظيم.
نلتقي في الخامس عشر من شهر شعبان، وبعد أيّام، بمناسبتين عزيزتين لا بدَّ من التّوقّف عندهما لأهميّتهما.
ذكرى ولادة المهديّ (عج)
المناسبة الأولى، وهي الولادة العطرة لخاتم السّلسلة المباركة لأئمَّة أهل البيت (ع)، وهو الإمام محمَّد بن الحسن العسكريّ (ع)، صاحب العصر والزَّمان (أرواحنا لمقدمه الفداء).
هذا الإمام الَّذي نستظلّ بظلّ إمامته، تأتي ذكراه كلّ سنة لتحمل معها الأمل إلى نفوس المظلومين والمقهورين والمعذّبين والمستضعفين بأنّ المستقبل سيكون لهم، فهو لن يكون للظّالمين، ولا لمستعبدي الشّعوب، ولا للمستكبرين مهما علوا وتجبّروا وأفسدوا. فعلى يدي هذا الإمام، سيتحقَّق وعده الّذي أشارت إليه الآية الّتي تلوناها: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ}، وستتحقّق إرادته عزَّ وجلَّ الّتي أشار إليها عندما قال: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}، وعندما قال: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}...
وما ورد في الحديث عن رسول الله (ص)، والّذي أشار إلى الهدف الّذي لأجله سيكون خروجه: "لا تذهبُ الدُّنيا حتَّى يملكَ العربَ رجلٌ من أهلِ بَيتي، يواطئُ اسمُهُ اسمي، وكنيته كنيتي، يملأُ الأرضَ قِسطًا وعدلًا، كما ملئت ظُلمًا وجَورًا".
وفي حديث آخر: "القائِمُ مِنْ وُلْدِي اسْمُهُ اسْمِي، وكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي، وَشَمائِلُهُ شَمائِلي، وَسُنَّتُهُ سُنَّتِي، يُقِيمُ النّاسَ عَلى مِلَّتِي وَشَريعَتي، وَيَدْعُوهُمْ إلى كِتابِ رَبّي (عزَّ وجلَّ)".
مسؤوليّتنا في زمن الغيبة
ونحن اليوم، وفي أجواء هذه الولادة المباركة، لا بدَّ أن نطرح على أنفسنا السّؤال: ما الدّور المطلوب منّا في فترة غيابه عنّا؟ هل نكتفي، كما قد يكتفي الكثيرون، بانتظار خروجه والدّعاء له بتعجيل الفرج، كلَّما عانينا انحرافًا أو ظلمًا أو فسادًا، أو نشغل أنفسنا بالتَّفتيش عن علامة هنا أو علامة هناك تؤشِّر إلى وقت الظّهور، ونستغرق فيها؟ وهو ما حذَّرنا منه أهل البيت (ع)، والأحاديث العديدة الّتي أكَّدت بشكل حاسم كذب الوقّاتين.
إنَّ علينا أن نعي أنَّ أمر خروجه هو بيد الله عزَّ وجلَّ، لم يطلع أحدًا عليه، وأنّه سوف يخرج عندما يأذن الله له بالخروج، في الزّمن والظّرف المناسبين، وعند حضور الأمَّة الجديرة به.
وما ينبغي علينا القيام به في هذه المرحلة، أن نبقى ندعو الله عزّ وجلّ حتّى يعجّل فرجه ويسهّل مخرجه، ولكن لا بدَّ أن لا يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل أن يواكَب ذلك بالعمل لتحقيق الهدف الَّذي سيعمل (ع) على تحقيقه، وسيبذل هو والَّذين سيكونون معه التّضحيات لأجله، والَّذي سيكون فيه خلاص العالم، وهو العدل العالميّ، هذا العدل الّذي لأجله أرسل الله الرّسل، وبه جاءت الرّسالات السّماويّة، عندما قال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ} وهو الَّذي دعانا الله عزّ وجلّ إليه عندما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ}.
والعدل الَّذي دعينا إليه لا يقف عند من نتَّفق معهم، بل حتّى مع من نختلف معهم، ولذلك قال: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. 
انتهاج خطّ العدل
ومن هنا، أيّها الأحبّة، إنّ مسؤوليّتنا لنكون من الأوفياء له وأنصاره وأعوانه، أن نبذل كلّ الجهود ليكون العدل طابع الحياة كلّها ويترسَّخ في الأرض، بأن نبدأ به بأنفسنا، أن نكون العادلين في بيوتنا؛ الزّوج مع زوجته، والزّوجة مع زوجها، ومع أولادنا، ومع جيراننا والنَّاس من حولنا، أن نكون عادلين في كلماتنا وقراراتنا ومواقفنا وأحكامنا، وفي تأييدنا ورفضنا للأشخاص، أن يكون العدل هو المعيار في كلّ مواقفنا وعلاقاتنا، وأن نعمل له على صعيد الأفراد أو الجماعات أو الدّول، وأن نقف مع كلّ قضيَّة عدل ومن يحمل لواءه، مهما كبرت التّحدّيات وغلت الأثمان، وسندًا لكلِّ من يواجه الظّلم والفساد، حتّى لو كان الظَّالم والفاسد من طائفتنا ومذهبنا وموقعنا السّياسيّ.
الانتظار المسؤول
إنّنا مدعوّون إلى أن ننتظره، ولكن ليس انتظار القاعدين والباكين على واقعهم الظّالم والفاسد، أو ممّن يقلبون كفًّا على كفّ لما يعانونه، بل ننتظره ونحن نقوم بدورنا، بأن نكون حاضرين في السّاحة الَّتي سيعمل فيها، والّتي لا تقف عند حدود معيّنة، فإذا حبانا الله عزّ وجلّ ووفَّقنا بنعمة عظيمة، هي نعمة حضوره وخروجه في هذا العصر، فنحمد الله على ذلك، ونتابع الطَّريق معه، ونستظلّ بظلِّ قيادته، وإن لم نحظَ بذلك، نكون قد أدَّينا واجبنا، بأنّنا كنّا الممهّدين له، ومن جنوده وأنصاره. 
أيّها الأحبَّة، عندما ندعو الله أن يسهّل مخرجه، علينا أن نكون واثقين بأنَّنا جاهزون للوقوف لنصرته عندما يخرج، حتّى لو كان ذلك مكلفًا لنا وعلى حسابنا.
ومتى وثقنا بذلك، نستطيع أن نقول: "اللَّهُمَّ أَرِنا الطَّلْعَةَ الرَّشِيدَةَ، وَالْغُرَّةَ الْحَمِيدَةَ، وَاكْحُلْ نَاظِرِي بِنَظْرَةٍ مِنِّي إِلَيْهِ... وَعَجِّلْ فَرَجَهُ، وَسَهِّلْ مَخْرَجَهُ، وَأَوْسِعْ مَنْهَجَهُ، وَاسْلُكْ بِي مَحَجَّتَهُ، وَأَنْفِذْ أَمْرَهُ، وَاشْدُدْ أَزْرَهُ، وَاعْمُرِ اللَّهُمَّ بِهِ بِلادَكَ، وَأَحْيِ بِهِ عِبادَكَ، بِرَحْمَتِـك يـا أرحم الرّاحمين".
إحياء اللّيلة المباركة
أمَّا المناسبة الثَّانية، فهي ليلة النّصف من شعبان، هذه اللَّيلة الّتي أشارت الأحاديث الشّريفة إلى مدى أهميّتها، وتتعزّز أهميّتها بكونها اللّيلة الّتي ولد فيها الإمام المهديّ (عج)، فقد ورد في بيان فضلها، أنّها أفضل اللّيالي بعد ليلة القدر، فيها يمنح الله العباد فضله، ويغفر لهم بمنّه. ففي الحديث: "فاجتهدوا في القربة إلى الله تعالى فيها - بالدّعاء والذّكر والاستغفار والصّلاة، وأقبلوا فيها عليه - فإنّها ليلةٌ آلى الله عزَّ وجلَّ على نفسه أن لا يردَّ فيها سائلًا، ما لم يسأل الله المعصية".
وفي الحديث: "إذا كانت ليلةُ النّصفِ من شعبانَ، فقوموا ليلَها، وصوموا نهارَها"، وفي حديثٍ آخر: "إذا كانت ليلة النّصف من شعبان، اطّلع الله إلى خلقه - أي ينظر إليهم بالرَّحمة - فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين - أي يمهلهم - ويدع أهل الحقد بحقدهم حتّى يدعوه". فالله لا يقبل صلاةً ولا دعاءً ولا استغفارًا ممّن في قلبه حقد على الآخر، أيًّا كان الآخر، ومهما كان جانب الاختلاف معه. وفي ذلك إشارة إلى أن لا مشكلة في الاختلاف، وهو من سنن الله في خلقه، حيث يقول الله: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}، لكنّ شرطه أن لا يتحوَّل إلى حقد وشحناء وعداوة.
فلنحرص، أيّها الأحبّة، على إحياء هذه اللّيلة المباركة، لنحظى فيها بما وعدنا الله من خيرها وبركاتها، بأن نجهّز أنفسنا له بإصلاح ما فسد من علاقتنا بالله، وبإزالة أيّ حقد تغلغل إلى قلوبنا، وأن نفرّغ لها وقتًا نتشارك فيه مع الّذين يحيونها بمختلف مذاهبهم، لننعم فيها بالأجواء الرّوحيّة والإيمانيّة الّتي نحتاج إلى أن نتزوَّد منها، بما ورد من الأدعية والأذكار والاستغفار والصّلوات وقراءة سورٍ من القرآن الكريم...
الخطبة الثَّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بالوصيَّة الّتي أرسلها الإمام المهديّ (عج) إلى أحد العلماء في عصره، وهو الشَّيخ ابن بابويه، وأمره أن يرسلها إلى شيعته، فقال له: "أُوصِيكَ بِمَغْفِرَةِ الذَّنْبِ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَمُواسَاةِ الْإِخْوَانِ، وَالسَّعْيِ فِي حَوَائِجِهِمْ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْحِلْمِ عِندَ الْجَهْلِ، وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، وَالتَّثَبُّتِ فِي الْأُمُورِ، وَالتَّعَهُّدِ لِلْقُرْآنِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ... وَاجْتِنَابِ الْفَوَاحِشِ كُلِّهَا، وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ (ص) أَوْصَى عَلِيًّا (ع) فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، عَلَيْكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، عَلَيْكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، عَلَيْكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، فَاعْمَلْ بِوَصِيَّتِي، وَأْمُرْ جَمِيعَ شِيعَتِي بِمَا أَمَرْتُكَ بِهِ حَتَّى يَعْمَلُوا عَلَيْهِ.. وَعَلَيْكَ بِالصَّبْرِ: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}... وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ".
هذه وصيَّة الإمام (عج)، نسأل الله أن يوفّقنا للأخذ بها، لنعبّر بذلك عن حقيقة ولائنا لهذا الإمام وصدق انتمائنا إليه، حيث الولاية له لن تكون بالمشاعر والعواطف، بل بالعمل بما جاء به، وبذلك نكون أكثر قدرة على مواجهة التّحدّيات.
الضّغوط على إيران
والبداية ممّا يجري على صعيد المنطقة الّتي تعيش في هذه المرحلة على وقع التّهديدات الّتي توجّه إلى الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، بعمل عسكريّ يطاول أراضيها، ويمسّ بسيادتها وأمنها، ممّا نشهده في حشد غير مسبوق للأساطيل وحاملات الطّائرات، والّذي يراد منه دفع الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران للقبول بالشّروط الّتي تُملى عليها، والّتي من الواضح أنّها لا يمكن لها القبول بها، لكونها تمسّ باستقلالها وأمنها القوميّ، والّذي أصبح من الواضح أنّه إن حصل، فلن تقف تداعياته عند حدود ما قد يجري داخل إيران، بل قد تمتدّ شظاياه إلى أبعد من ذلك، إن على الصّعيد الأمنيّ أو السّياسيّ أو الاقتصاديّ.
ونحن على ثقة بقدرة الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، وبالحكمة الّتي تتحلّى بها قيادتها الرّشيدة، على تجاوز هذه المرحلة الصّعبة الّتي تواجهها، كتلك الّتي واجهتها طوال تاريخها.
تهديد العراق
وليس بعيدًا من ذلك، ما نشهده على صعيد العراق، من التّهديد له بمنعه من حقوقه إن تمّ القبول بتعيين من تمّ ترشيحه، وبناءً على الانتخابات، لمنصب رئيس مجلس الوزراء. إنّ كلّ ذلك يشير إلى مرحلة خطيرة تشهدها هذه المنطقة، عندما تصبح تحت وطأة الضّغوط العسكريّة والاقتصاديّة والماليّة الّتي تمارَس عليها، ما يفقدها حريّتها وسيادتها على أرضها، ويجعل قرارها تحت وطأة هذه الضّغوط الّتي لن تقف عند حدود دولة واحدة، ما يدعو دول المنطقة إلى تجاوز الحساسيّات والصّراعات الحاصلة فيما بينها، والحسابات والمصالح الخاصّة، لتتوحّد لمنع تنفيذ هذه التّهديدات وتداعياتها بالوسائل الّتي تمتلكها، وهي قادرة على ذلك إن تعاونت وفعّلت جهودها، ودائمًا ندعوها أن تستحضر المثل: "أُكلت عندما أُكل الثّور الأبيض".
لبنان: ضغوط متصاعدة
ونعود إلى لبنان الّذي لا يزال تحت وطأة الضّغوط الّتي تمارس عليه من العدوّ الصّهيونيّ، في تماديه في المسيّرات الّتي تجوب السّماء، والغارات الّتي تطال أراضيه، والاغتيالات الّتي تجري لمواطنين لبنانيّين، والاستهداف للبيوت في قرى الشّريط الحدوديّ، بهدف منع أهلها من العودة إليها والاستقرار فيها، رغم وفاء لبنان بالتزاماته، بل أكثر منها. وقد أصبح واضحًا، وبما لا يقبل الشّكّ، أنّ ذلك يحصل لدفع لبنان للقبول بشروطه وإملاءاته عبر مفاوضات لا يريدها أن تكون بالواسطة، وحتّى عبر اللّجنة المكلّفة بوقف إطلاق النّار، بل هو يضغط لتكون مباشرة معه، والّتي من الطّبيعيّ أن نتائجها قد لا تكون لحساب لبنان كما قد يرى البعض، بل قد تكون على حسابه في ظلّ أطماع هذا العدوّ، والّتي لم يعد يخفيها، إن في لبنان أو على صعيد المنطقة، واختلال موازين القوى في هذه المرحلة، والّتي هي لمصلحته، ما يدعو الدّولة اللّبنانيّة إلى عدم الوقوف مكتوفة اليدين أمام ما يجري، والعمل على تحشيد قدراتها، إن على الصّعيد الدّبلوماسيّ والسّياسيّ، وتعزيز الوحدة الدّاخليّة، لتكون قادرة على مواجهة هذه الضّغوط وإيقاف نزيف الدّم والدّمار.
في الوقت الّذي نعيد التّأكيد على القوى السّياسيّة، أن تعي خطورة هذه المرحلة وتداعياتها، ما يدعونا إلى الخروج من حالة الانقسام الّتي نشهدها على خيارات هذا البلد، وكيفية مواجهته في ضوء التّطوّرات القادمة، حيث لا يمكن أن تواجه بالاتّهامات والتّراشق بالكلمات والمواقف، بل بالتّواصل والتّلاقي على ما ينقذ هذا البلد، ويخرجه من حال التّردّي الّذي يعانيها.
الموازنة والأزمة المعيشيّة
ونبقى في الدّاخل اللّبنانيّ، وفي ضوء نقاش الموازنة الَّذي جرى في المجلس النّيابيّ، فإنّنا كنّا نريد لهذا النّقاش أن يكون علميًّا وموضوعيًّا، وأن يخرج عن تسجيل النّقاط والشّعبويّة، وأن يقوم المجلس النّيابيّ بالدّور المطلوب منه كممثّل لأطياف الشَّعب اللّبنانيّ في تصويب مسار الحكومة، والمساهمة في تقديم الحلول لما يعانيه اللّبنانيّون الّذين يمثّلونهم، وأن تكون حصيلة النّقاش حول الموازنة، رؤية جديدة وواقعيّة تسهم في نهوض هذا البلد وإنقاذه من أزماته، وإيجاد حلول لمعاناة اللّبنانيّين على الصّعيد المعيشيّ والحياتيّ، وحلّ مشكلاتهم باستثمار موارد الدّولة بالشّكل الصّحيح، لا أن تمدّ يدها إلى جيوبهم بزيادة الرّسوم والضّرائب المباشرة أو غير المباشرة الّتي تفرض عليهم أو التّنكر لمطالبهم. 
إنّنا نعي حجم الأزمة الاقتصاديّة الّتي يعيشها هذا البلد الّتي كانت نتيجة سنوات عانى خلالها البلد الفساد وسوء الإدارة والتَّخطيط، ولكن هذا لا يعفيها من تحمّل المسؤوليّة الوطنيّة لمعالجة الوضع المعيشيّ، لأنّنا نخشى أن يؤدّي الاستمرار في إدارة الظّهر لمعاناة اللّبنانيّين وعدم الإصغاء إلى مطالبهم، إلى انفجار اجتماعيّ، والّذي شهدنا بعض مظاهره في الاحتجاجات الّتي حصلت حول المجلس النّيابيّ أو في خارجه، وقد نشهد غيرها...
غزّة: مراوغة العدوّ
ونصل إلى فلسطين المحتلّة، حيث لا يزال العدوّ يراوغ في التزاماته حيال تنفيذ المرحلة الثّانية من اتّفاق غزّة، على الرّغم من التزام الفلسطينيّين بتنفيذ كامل المرحلة الأولى، وباعتراف العدوّ، ما يدعو الدّول العربيّة والإسلاميّة إلى الإسراع في نجدة الشّعب الفلسطينيّ لدفع العدوّ إلى تنفيذ التزاماته تجاه هذا الشّعب، وإخراجه من معاناته، وإيقاف العدوان والقصف اليوميّ وضغط الحصار، والعمل لمنعه من التّمادي في اعتداءاته في الضّفة الغربيّة.
 
ألقيت في 30-1-2026
اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير