قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}. صدق الله العظيم.
نلتقي في هذا اليوم، بذكرى وفاة واحد من أئمَّة أهل البيت (ع)، وهو الإمام محمَّد بن عليّ الجواد (ع).
هذا الإمام الَّذي اقترن اسمه الشَّريف بقيمة كبيرة عند الله عزَّ وجلَّ وعند النّاس، وهي الجواد، وذلك لكثرة جوده، والجود يعني كثرة البذل والعطاء، ومن يعطي بمحبّة، ومن يبادر إلى التّفتيش عن أصحاب الحاجة حفظًا لكرامتهم، فلا ينتظرهم حتّى يسألوه.
الإمامة المبكرة
تولّى الإمام الجواد (ع) مقاليد الإمامة بعد وفاة أبيه الإمام الرّضا (ع)، رغم قصر المرحلة الّتي عاشها، حيث تذكر سيرته أنّه لم يعش سوى خمس وعشرين سنة، فكان من أصغر أئمّة أهل البيت (ع) سنًّا، وقد بلغ من الشّأن والموقع ما جعله مهوى أفئدة النّاس، حتّى من لا يلتزمون إمامته، ومحطّ رحال العلماء الّذين كانوا يفدون إليه من كلّ فجّ عميق لينهلوا من معين علمه، ما جعله موضع عناية الخليفة العبَّاسيّ المأمون، فقد ورد عن الشّيخ المفيد (ع) قوله إنَّ المأمون شغف به لما رأى من فضله، رغم صغر سنّه، وبلوغه من العلم والحكمة والأدب وكمال الفضل ما لم يساوه به أحد في زمانه، وهو ما دفعه بعد ذلك أن يعرض عليه الزّواج من ابنته، رغم اعتراض أعيان العبّاسيَّين ووجهائهم عليه، خشيةً من انتقال الخلافة العبّاسيّة إلى أئمَّة أهل البيت (ع).
وكان ردَّه عليهم يومها: "ويحكم، إنّي أَعْرفُ بهذا الفتى منكم، وإنَّه لأفقه منكم، وأعلم بالله ورسوله وسنَّته وأحكامه...".
ونحن اليوم سننتهز هذه المناسبة الحزينة، لنشير إلى بعض أحاديث وردت عن هذا الإمام، لنستفيد منها في حياتنا.
أحاديث عن الإمام (ع)
الحديث الأوَّل: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه لم يندمْ – أوّلها - تَرْك العَجَلة - فلا يندم من يتأنّى ولا يتسرّع في إطلاق كلماته، أو في اتّخاذ مواقفه وقراراته، وفي تأييده ورفضه، لذا ورد في الحديث: "إنّما أهلك النّاس العجلة، ولو أنَّ النَّاس تثبَّتوا لم يهلك أحد"، وفي حديث آخر "مع التّثبّت تكون السَّلامة، ومع العجلة تكون النَّدامة".
ثانيها - والمشورة - فلا يندم من يستفيد من علم الآخرين وخبرتهم وتجاربهم حتّى لو كانوا أقلّ منه، ما يقلّل من هفواته وأخطائه، فقد ورد في الحديث: "من شاورَ النَّاس شاركهم عقولهم"، وفي الحديث: "الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه"، و"ما خاب مَن استشار". وهو ما أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون طابع المجتمع المؤمن عندما قال: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}. ولأهميّة هذا السّلوك لم يستثن منه حتّى رسول الله (ص)، عندما دعاه الله عزّ وجلّ إلى أن يشاور أصحابه قبل أن يصدر أيّ قرار أو يتّخذ أيّ موقف: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}.
وثالثها - "ومن يتوكَّل على الله" ويستند إليه في أموره، فإنَّه بذلك يستند إلى ركن وثيق، والله عزَّ وجلَّ عند وعده عندما قال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.
الحديث الثّاني: "ما عظمَتْ نعمةُ اللّه عَلَى عَبْدٍ إلَّا عظمَتْ عليه مؤونةُ النَّاسِ، فَمَنْ لم يحتملْ تلكَ المؤونةَ، فقَدْ عرَّضَ النّعمةَ للزَّوالِ".
لقد أراد الإمام (ع) من خلال هذا الحديث، أن لا يرى الإنسان نعم الله عليه عندما تكثر امتيازًا له، بل أن يراها اختبارًا، ليرى الله مدى حرصه على تقديم المعونة لمن يحتاجون إليها. فالله يعطي الإنسان النِّعم لا ليستأثر بها لنفسه أو لعائلته، بل ليعطي منها الآخرين، وهو حذّر هؤلاء بأنَّهم يعرّضون هذه النّعم للزّوال، وسينقلها الله إلى غيرهم إن لم يقوموا بإعانة من يحتاجون إليها، وهذا ما أشار إليه حديث آخر: "إنَّ للهِ عِبادًا اختَصَّهُم بالنِّعمِ؛ لمَنافعِ العِبادِ، يُقِرّهم فيها ما بذلُوهَا، فإذا منَعُوها نزعَها منهم، فحوَّلها إلى غيرِهم".
الحديث الثَّالث: ورد أنَّ شابًّا من الموالين لأهل البيت (ع)، كتب إلى الإمام الجواد (ع) وقال إنَّ أبي شديد العداء لكم، وقد لقيت منه شدّةً وجهدًا، فرأيك - جعلت فداك - في الدّعاء لي، وما ترى - جعلت فداك - أفترى أن أكاشفه (أي أواجهه) أم أداريه؟
فكتب إليه الإمام (ع): "قد فهمت كتابك وما ذكرت من أمر أبيك، ولست أدع الدّعاء لك إن شاء الله، والمداراة خير لك من المكاشفة، ومع العسر يسر.. فاصبر، فإنَّ العاقبة للمتَّقين".
لقد أراد الإمام (ع) بذلك أن يبيّن أنَّ الأسلوب الأفضل في التَّعامل مع الّذين يسيئون إلينا بكلماتهم وبمواقفهم، وينفثون نار الحقد مع من يختلفون معهم على الصّعيد المذهبيّ أو الدّينيّ أو السّياسيّ، أن لا نبادلهم بالإساءة، بل أن نداريهم... والمداراة تعني الملاطفة ولين الكلام وعدم المبادلة بالمثل، وهذا هو الأسلوب الأفضل في التّعامل معهم والأكثر تأثيرًا، بدلًا من الرّدّ عليهم أو المبادلة بالمثل، لأنّها قد تدفع المسيء إلى المزيد من الإساءات والأحقاد.
هنا يذكر في السّيرة أنَّ الشابّ عمل بوصيّة الإمام (ع) له، وراح يحسن إلى والده، ولا يبادل إساءته بإساءة، ما جعل الأب يعيد النَّظر بتصرّفاته تجاه ولده، حتّى لم يعد يعارضه، وأصبح بعدها من الموالين والمحبّين لأهل البيت (ع)، بعدما كان من أعدائهم، عندما عرف أنّ هذه هي دعوتهم إليه.
وفي حديث أخير عنه (ع): "من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان النّاطق يؤدّي عن الله عزّ وجلّ فقد عبد الله، وإن كان النّاطق يؤدّي عن الشّيطان فقد عبد الشّيطان". لقد أراد الإمام أن يشير بهذا الحديث إلى مدى التَّأثير الّذي يحصل من الكلام الّذي يصدر عبر وسائل الإعلام أو التّواصل أو الخطب، في مواقف الإنسان وقراراته، لذلك دعا الإمام (ع) إلى أن لا يسلّم الإنسان سمعه إلى كلّ شخص، فلا يصغي إلّا إلى من يعبّر عن الله، وتصبّ كلماته في الطّريق الّذي رسمه الله للحياة، بحيث لا ينطق إلّا بالحقّ والعدل والقيم الَّتي أراد للحياة أن تسير عليها، ولا يخضع لهوى أو عصبيَّة، فبذلك يعبد الله، وبدون ذلك هو يعبد الشّيطان الّذي يدعو النَّاس إلى السّوء والفحشاء واتّباع الأهواء والعصبيّات، ويدفعهم إلى أن يقولوا على الله ما لا يَعلمون.
الاستهداء بالإمام (ع)
أيُّها الأحبَّة: هذا بعضٌ من معين كلمات هذا الإمام (ع)، الجواد حقًّا في تقواه وعلمه، وفي توجيهه وإرشاده. فليكن إخلاصنا له في يوم انتقاله إلى رحاب ربّه، بأن نستهدي به في طريق حياتنا، والَّذي به نعبِّر عن حبّنا وولائنا له، ونكون كما أراد (ع)، عندما قال لمحبّيه ومواليه: "كونوا زينًا لنا، ولا تكونوا علينا شينًا".
والسَّلام على الإمام الجواد (ع)، يوم ولد، ويوم انتقل إلى رحاب ربِّه، ويوم يبعث حيًا...
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بإحياء العشر الأوائل من شهر ذي الحجّة الحرام الّتي ستبدأ يوم الإثنين إن شاء الله، والّتي دعا الله عزّ وجلّ إلى أن يُذكر فيها، عندما قال: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ}. وقد ورد في الحديث عن رسول الله (ص): "ما مِنْ أيَّامٍ العمَلُ الصَّالِحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ مِن هذه الأيّام العشر"، حيث ورد استحباب صيام الأيّام التّسعة الأولى منها، والعديد من الصّلوات والأدعية والتّهليل والأذكار.
فلنملأ هذه الأيّام العشرة بصيامنا وصلواتنا وأذكارنا ونجاوانا وبما دعينا إليه، كي نحظى ببركات الله وفضله وإحسانه في هذه الأيّام الّتي فيها تُغفَر الذّنوب العظام، وتستجاب فيها الدّعوات، وتحقّق أماني الدّنيا والآخرة.
ونحن أحوج ما نكون، ولا سيَّما في الأيّام الصَّعبة، إلى تمتين علاقاتنا بالله الّذي بيده، وبيده وحده، تغيير حالنا إلى أحسن حال، وإخراجنا ممّا نعانيه، والّذي به نكون أقوى وأقدر على مواجهة التّحدّيات.
بين العدوان والمفاوضات
والبداية من العدوان الإسرائيليّ، حيث يستمرّ العدوّ بالمسلسل الَّذي بدأه بإخلاء القرى الجنوبيّة والبقاع الغربيّ من خلال الإنذارات الّتي يوجّهها إلى أهلها، ما يزيد أعداد النّازحين من أرضهم، والغارات الجويّة الّتي تسبّب دمار المباني والبنى التّحتيّة، وسقوط شهداء وجرحى، من دون أن توفّر المدنيّين من النّساء والأطفال، وحتّى كوادر الإسعاف المدنيّ، فيما تتواصل عمليّات الاغتيال للمواطنين خلال تنقّلهم وفي سيّاراتهم، ومحاولات التّمدّد داخل الأراضي اللّبنانيَّة لاحتلال المزيد من الأراضي، والّتي يتجاوز فيها الخطّ الّذي رسمه لاحتلاله.
رغم كلّ ذلك، تتواصل المفاوضات الّتي تجري بين الموفدين اللّبنانيّ والصّهيونيّ، والّتي لا يبدو أنّها ستصبّ في الأهداف الّتي يريدها الجانب اللّبنانيّ، وهي إيقاف تامّ لإطلاق النّار، وانسحاب العدوّ من المواقع الّتي تمدّد إليها، وعودة الأهالي إلى قراهم ومدنهم، وعودة أسراه من سجونه، وهو لن يلبّي حتّى الحدّ الأدنى من المطالب اللّبنانيّة، وأوّلها الإيقاف التّامّ لعدوانه، فالعدوّ يتعامل مع المفاوضات أنّه هو من يملي شروطه ولا يملى عليه، وهو يستفيد في ذلك من قدراته العسكريّة الّتي يمتلكها، والتّغطية الّتي يحظى بها، والصّمت العالميّ المطبق على ارتكاباته بحقّ اللّبنانيّين، بحيث لا نجد صوتًا دوليًّا، ولا حتّى عربيّا فاعلًا، يرتفع للتّنديد بما يحصل، وهنا نخشى أن يكون من شروطه ما يؤدّي إلى زيادة الشَّرخ بين اللّبنانيّين وتعميق الهوَّة بينهم.
ومن هنا، فإنّنا نجدّد دعوتنا اللّبنانيّين إلى الحفاظ على الوحدة الدّاخليّة الّتي هي العنصر الأساس في قوّة هذا البلد، سواء على الصّعيد الرّسميّ أو الشّعبيّ، وأن لا يستجيبوا لكلّ ما يمسّ بها، والعمل على حوار سياسيّ داخليّ جادّ وبنّاء للوصول إلى توافق على خيار موحَّد في مواجهة هذه المرحلة الصّعبة والدّقيقة، حتّى يمكن الاستفادة من كلّ عناصر القوّة الدّاخليّة والخارجيّة ممّن يريدون خيرًا بهذا البلد، والتّوقّف عن التّراشق الدّاخليّ السّياسيّ والإعلاميّ المتواصل الَّذي يستفيد منه العدوّ ويراهن عليه.
إنّنا لا نحتاج إلى التّأكيد على اللّبنانيّين أنّ عليهم أن يقلّعوا أشواكهم بأظافرهم، ولن يقلّعها أحد عنهم، فالسّيادة والحريّة تنالان ولا تعطيان من أحد، وأن يعوا أنّ ما يجري لا يصيب فقط بعضًا منهم أو طائفة من طوائفهم، كما يصوّره البعض، لتحييد باقي الفئات اللّبنانيّة عن القيام بدورها في حفظ بلدهم، لأنَّ تداعيات ما يحصل ستنعكس سلبًا على مصير الوطن بمكوّناته كلّها، وأمنه ومستقبله وقراره الحرّ.
أين الدّولة من النّازحين؟!
ونعود إلى الدَّاخل، لنعيد التّأكيد على الدّولة أن تفعّل دورها، وتعزّز حضورها في رعاية مواطنيها الَّذين يغادرون قراهم ومدنهم، بأن لا تضطرّهم للتّسكّع على الطّرقات، أو إبقائهم في أمكنة لا تؤمّن لهم فيها مقوّمات الاستقرار والرّعاية التّامّة وحسّ الكرامة الغالية لديهم، والّتي هم حريصون عليها، وهم يقدّمون الغالي من أجلها...
في الوقت الّذي نجدّد دعوتنا اللّبنانيّين إلى تأدية واجبهم في التَّعاون والتّكافل تجاه الآلام الكبيرة الّتي يعيشها النَّاس، ممّا يعزّز من وحدتهم الوطنيَّة والإنسانيَّة...
القمّة الأميركيّة الصّينيّة
في هذا الوقت، ينتظر العالم مجريات ما ينتج من القمّة الأميركيّة الصّينيّة، أو المفاوضات الّتي تجري لوقف الحرب الأميركيّة على الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، والّتي نأمل أن تساهم في معالجة الأزمات الّتي تعانيها المنطقة، بما ينعكس إيجابًا على أمن العالم واقتصاده والاستقرار فيه، والَّذي من الطّبيعيّ أن يستفيد منه لبنان.
القيت في 15-5-2026
***