قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}. صدق الله العظيم.
نلتقي اليوم، وفي الثّامن من ربيع الأوَّل، بذكرى وفاة واحدٍ من أئمّة أهل البيت (ع) الّذين طهّرهم الله عزَّ وجلَّ من الرّجس، ومن أمرنا رسول الله (ص) بالتمسّك بهم، والأخذ من معينهم الصَّافي؛ وهو الإمام الحسن بن عليّ العسكريّ.
مهابة الإمام العسكريّ (ع)
هذا الإمام الّذي أشارت سيرته إلى ما كان يتميّز به من العلم والعبادة وحسن الخلق والتّواضع والكرم، ما جعله مهوى أفئدة النّاس، حتّى ممّن لم يكونوا يلتزمون إمامته، ومن كانوا يرونه ندًّا لهم.
وهو ما جاء على لسان وزير الخليفة العبّاسيّ المعتمد، عندما سأله ولده عن سبب إجلاله وإعظامه للإمام الحسن العسكريّ (ع) عندما كان يلتقيه، أو عند الحديث عنه، فقال له: “يا بنيَّ، لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العبَّاس، ما استحقَّها أحد من بني هاشم غير هذا، وإنَّ هذا ليستحقُّها في فضله وعفافه وهديه وصيانته وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه”.
يقول ابن الوزير: “فازددت قلقًا وتفكّرًا وغيظًا على أبي مما سمعت منه فيه، ولم يكن لي همّة بعد ذلك إلَّا السؤال عن خبره، والبحث عن أمره، فما سألت عنه أحدًا من بني هاشم ومن القوَّاد والكتَّاب والقضاة والفقهاء وسائر النَّاس، إلّا وجدته عندهم في غاية الإجلال والإعظام والمحلّ الرفيع والقول الجميل، والتقديم له على جميع أهل بيته ومشايخه، فعظم قدره عندي، إذ لم أر له وليًّا ولا عدوًّا إلَّا وهو يحسن القول فيه والثَّناء عليه”.
ورغم قصر المرحلة الّتي عاشها الإمام (ع)، حيث لم تستمرّ إمامته إلّا ستّ سنوات، فقد قام بدوره الّذي تمثّل في المقام الأوّل في التّوجيه والتّعليم والتّربية، ومواجهة الانحرافات الفكريّة الّتي نشأت في عهده على صعيد العقيدة والفهم الخاطئ للقرآن…
أمّا الدّور الثّاني، فهو إعداد شيعته لكيفيّة التّعامل مع المرحلة الَّتي تليه بغياب الإمام المهديّ (عج)، وتوجيههم إلى من يرجعون إليه خلالها.
ونحن اليوم سنستفيد من هذه المناسبة للوقوف عند بعض ما ورد عنه لنستهدي به:
النّصيحة في السّرّ
الحديث الأوّل: “مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَدْ زَانَهُ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ شَانَهُ”.
يدعو الإمام (ع) من خلال هذا الحديث، أن لا يبخل المؤمن بالنّصيحة على أخيه المؤمن، ولكنّه أراد للنّصيحة حتّى تكون نصيحة، وتحقّق الهدف منها، ولا تكون سببًا في الإساءة إلى كرامة من يراد نصحهم أو تسيء إليهم وإلى دورهم، بأن تكون بعيدة من أعين النّاس، وبذلك يحقّق ما أشار إليه الإمام (ع) بقوله: “فَقَد زانَه”، أي حفظ كرامته، وأوصل إليه النّصيحة، بينما لو كان ذلك علانيةً يكون قد “شانه”، أي عابه وانتقص منه، ولن تصل، لأنّه لن يقبلها، فما من أحد يقبل بنصيحة تمسّ كرامته.
وهذا الأسلوب هو ما كان يحرص عليه رسول الله (ص)، فقد كان (ص) إذا بلغه عن رجل من أصحابه شيء، لا يعيبه أمام النَّاس، بل كان يقف خطيبًا ويقول: “ما بال أقوام يقولون كذا أو يفعلون كذا”، وهو يشير بذلك إلى الخطأ الّذي صدر عن المخطئ، فيلتفت من أخطأ إلى توجيه رسول الله (ص) ويأخذ به، وهو لا يدري أنَّ رسول الله (ص) كان يقصد خطأه.
خير الإخوان
الحديث الثّاني: “خَيرُ إخوانِكَ مَن نَسِيَ ذَنبَكَ، وذَكَرَ إحسانَكَ إلَيهِ”.
أراد الإمام (ع) من هذا الحديث أن يشير إلى مقياس يقاس به صدق الأخوة الإيمانيَّة، فالأخ المؤمن هو الَّذي إذا أخطأت معه، نسي أخطاءك، وتذكّر معروفك وإحسانك إليه، فلا يحوّل الأخطاء إلى سلاح يشهره عند أيّ خلاف يحصل معه، أو يعاود الحديث عنها بأن يذكّر بها أو يتحدّث بها أمام الآخرين. فخير أخ في منطق الإمام (ع) هو من يذكر الإحسان، وينسى الزّلّات، ولا يهدم المحبّة بسبب خطأ يحصل بينه وبين أخيه المؤمن.
حصاد الأعمال
الحديث الثّالث: “إِنَّكُمْ فِي آجَالٍ مَنْقُوصَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَالْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً، وَمَنْ يَزْرَعْ خَيْرًا يَحْصُدْ غِبْطَةً، وَمَنْ يَزْرَعْ شَرًّا يَحْصُدْ نَدَامَةً، وَلِكُلِّ زَارِعٍ مَا زَرَعَ”.
يشير الإمام (ع) في هذا الحديث إلى أنَّ عمر الإنسان ينقص في كلّ يوم، فكلّ يوم يمرّ من العمر لا يعود.
وأيّام الإنسان في هذه الحياة معدودة؛ لم يُخلّد فيها أحدٌ ولن يُخلّد، فـ {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}. وقيمة الحياة بمقدار ما نزرع فيها من أعمال نحصد نتائجها، ولكلٍّ ما زرع؛ فمن يزرع طاعةً وصدقًا وأمانةً وإحسانًا وتوبةً، يحصد في النّهاية سرورًا ونعمةً وغبطةً، أمَّا من يزرع في الدّنيا معصيةً وتركًا للواجبات وظلمًا وإساءة إلى النَّاس، فسيحصد ندامةً وموقفًا صعبًا بين يدي الله سبحانه وتعالى {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}، {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ}.
الحذر في الثّقة
الحديث الرّابع: “أَضْعَفُ الْأَعْدَاءِ كَيْدًا مَنْ أَظْهَرَ عداوته”.
أراد الإمام (ع) أن يشير إلى أنّ العدوّ الّذي تعرف أنَّه عدوّ، يكون خطره من جهة الكيد أقلّ من عدوّ يخفي عداوته ويظهر لك المحبّة.
فالعدوّ الظّاهر يجعلك متنبّهًا، تعرف موقفه، وتحذر كلامه، ولا تمنحه أسرارك أو مواقع ضعفك، ولذلك تضيق أمامه أبواب الكيد لك.
أمّا من يبطن لك العداوة ويظهر الصّداقة، فهو أشدّ خطرًا، لأنّك قد تأمن له وتطلعه على أمورك وتقبل نصيحته، ثمّ يستعمل ما يعرفه عنك للإضرار بك في الوقت المناسب.
وهذا يتناسب مع قول الشّاعر:
اِحْذَرْ عَدُوَّكَ مَرَّةً وَاحْذَرْ صَدِيقَكَ أَلْفَ مَرَّة
فَلَرُبَّمَا انْقَلَبَ الصَّدِيـ قُ فَكَانَ أَعْلَمَ بِالْمَضَرَّة
ولكن هذا لا يعني الشّكّ في كلّ صديق، وإنّما التّنبّه والحذر، حتّى لا يتفاجأ الإنسان بتقلّبات تحصل من الشّخص الّذي منحه ثقته، ما يدعو إلى أن لا يضع الإنسان كلّ أسراره ومواقع ضعفه في يد أيّ شخصٍ.
وهذا يتناسب مع الحديث: “أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا، عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا”.
ومع الحديث عن أمير المؤمنين (ع): “لا تثقنّ بأخيك كلّ الثقة – أي ثقة عمياء – فإنّ صرعة الاسترسال لا تُستقال”.
حفظ الأمانة
إنّ إخلاصنا لهذا الإمام، أيّها الأحبَّة، لن يكون إلّا بإخلاصنا لكلّ القيم والمعاني الّتي لأجلها عانى وتألّم وقدّم كلّ التّضحيات. أن نكون أمناء عليها، وعلى وديعته الّتي هي وديعة الله عندنا، ووديعة رسوله فينا؛ الإمام المهديّ (عج)، الَّذي نسأل الله أن يعجّل فرجه ومخرجه، وأن نكون من الممهّدين له ومن أنصاره وأعوانه، وأن نتوجّه إليه بالسّلام: السَّلام عليه يوم ولد، ويوم انتقل إلى رحاب ربّه، ويوم يبعث حيًّا. وأن نشهد له بالقول: أشهد يا مولاي أنّك أقمت الصّلاة وآتيت الزّكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، ودعوت إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله مخلصًا حتّى أتاك اليقين، فجزاك الله عنّا وعن أمَّتك خيرًا كثيرًا.
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصانا به رسول الله (ص)، عندما قال لابن عمّه ابن عبّاس: “يا بن عبَّاس، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلّا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلّا بشيء قد كتبه الله عليك، فالنّاس جميعًا لا يملكون لك نفعًا ولا ضرًّا إلّا به، وهو من بيده الأمر كلّه”.
أيّها الأحبّة، فلتتعلّق قلوبنا بالله وحده، بأن ندعوه ولا ندعو غيره، ونستعين به ولا نستعين بغيره، ونتوكّل عليه ولا نتوكّل على أحد سواه، وأن لا يجدنا حيث نهانا، ولا يفقدنا حيث أمرنا؛ فبذلك نحقّق أمانينا في الحياة وفي الآخرة الّتي لا تتحقَّق إلّا به، وسنكون عندها أقدر على مواجهة الصّعوبات والتّحدّيات.
الإبادة المستمرّة
والبداية من الاعتداءات الإسرائيليّة الّتي نشهدها يوميًّا وأمام أعيننا، في عمليّات التّفجير والنّسف للمنازل والبنى التّحتيّة، والقضاء على أيّ مظهر من مظاهر العمران في القرى والبلدات الّتي يحتلّها العدوّ، وتصاعد وتيرة الغارات الّتي لم تقتصر على حدود المناطق المتاخمة لمواقع احتلاله، بل تعدّتها إلى مناطق بعيدة، وأدّت إلى عشرات الشّهداء والجرحى، من بينهم عائلة بأكملها. فيما يتواصل الحديث في إعلام العدوّ عن نيّته توسعة دائرة احتلاله لمواقع جديدة يريد الوصول إليها، متذرّعًا بأنّها جزء من منطقته الأمنيَّة، ما يدعو إلى التّنبّه والحذر من أيّ مغامرة قد يُقدم عليها العدوّ.
واجب الدّولة والمسؤولين
ونحن أمام ما يجري، نعيد مناشدة الدَّولة اللّبنانيَّة المعنيّة بالسّيادة على أرضها والحفاظ على مواطنيها، بأن تتحمّل مسؤوليّتها، ولا تقف موقف اللّامبالاة أمام هذا التّمادي في العدوان، بأن ترفع صوتها في المحافل الدّوليّة، وتطرق كلّ الأبواب لإيقاف هذا النّزيف وحماية مقدّرات اللّبنانيّين وجنى أعمارهم، وأن تكون تعبيرًا حقيقيًّا عن معاناتهم وآمالهم وطموحاتهم، واعتبار ذلك من أولى أولويّاتها، بعدما أصبح واضحًا أنَّ العدوّ لن يستجيب للنّداءات الّتي تدعوه إلى الانسحاب من الأراضي الّتي احتلّها، بل قد يقدم على ضمّها إليه وضمّ غيرها، وحتّى يشعر اللّبنانيّون أنَّ دولتهم لا تقف عاجزة ومكتوفة اليدين أمام معاناتهم، وحتّى تبقى هي خيارهم.
وفي الوقت ذاته، ندعو اللّبنانيّين جميعًا إلى توحيد جهودهم، والتّراصّ والتّماسك في مواجهة ما يحصل لوطنهم، والكفّ عن أيّ تصريحات تصدر عمّن هم في مواقع المسؤوليَّة، ممّا نشهده على مواقع الإعلام والتَّواصل، ممّا يمكن أن يسيء إلى الوحدة، وأن يدركوا أنَّ انقسامهم يغري العدوّ بمزيد من التّغوّل والعبث بسيادة هذا البلد ومستقبله، حتّى لا يكونوا ممّن يهدمون بيوتهم بأيديهم وأيدي الآخرين.
وهنا نكرّر ما قلناه سابقًا، بأنّنا لا ننكر وجود خلاف بين اللّبنانيّين على الخيارات المطروحة لمعالجة ما يواجهه البلد، ولكنَّنا لا نريد لهذا الخلاف أن يتحوَّل إلى عداء… إنّ اللّبنانيّين لن يخرجوا من معاناتهم بانتصار فريق على فريق، بل هو بالتّلاقي للوصول إلى صيغة جامعة تسهم في إنقاذ البلد، وتبدّد الهواجس الّتي يحملها كلّ فريق إزاء الفريق الآخر، بحيث لا يشعر أيّ مكوّن أنّ وجوده وكيانه مهدَّدان من الآخرين، ونحن مع أيّ لقاء جامع يؤدّي إلى تحقيق هذا الهدف. إنّ على اللّبنانيّين أن يعوا أنّهم في مركب واحد؛ إن غرق يغرقون جميعًا، وإن نجا ينجون جميعًا.
استهداف سوريا!
ونصل إلى استهداف العدوّ مؤخّرًا لسوريا، والّذي أشار مجدّدًا إلى الأهداف الّتي يسعى إليها، بعدم السّماح لأيّ بلد عربيّ أو إسلاميّ أن يمتلك القدرة والقوّة حتّى للدّفاع عن نفسه، لتكون له الهيمنة على المنطقة واليد الطّولى فيها… والّذي يأتي في سياق استراتيجيّة مستمرّة تقوم على الضّغط والتّوسّع وإضعاف أيّ موقع من مواقع القوّة في هذه المنطقة والعالم.
العراق: الحذر من الانقسام
وبالانتقال إلى العراق، الّذي باتت التّطوّرات الّتي تجري على صعيد المنطقة تترك تداعياتها عليه، فإنّنا ننبّه إلى خطورة أيّ انقسام داخليّ يؤدّي إلى إضعاف موقف هذا البلد وقدرته على مواجهة التّحدّيات الّتي تواجهه من الدّاخل والخارج. وهنا نرحّب بكلّ المواقف الدَّاعية إلى حوار عراقيّ وطنيّ جامع يفضي إلى رؤية وطنيَّة شاملة يتوافق عليها الطّيف العراقيّ كلّه، ما يسهم في حماية العراق، ويحفظ سيادته وأمنه واستقراره ومنعته…
ألقيت في 21-8-2026