06/02/2026

​ تحويل القبلة: بين حكمة التَّشريع وتثبيت الهويّة الإسلاميّة

​ تحويل القبلة: بين حكمة التَّشريع وتثبيت الهويّة الإسلاميّة

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين ومما جاء في خطبتيه :
 
الخطبة الاولى :
 
{قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ} {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} صدق الله العظيم.
 
من الأقصى إلى الكعبة 
في الخامس عشر من شهر شعبان من السّنة الثّانية لهجرة النّبيّ (ص) من مكّة إلى المدينة، نزل الوحي على رسول الله (ص)، وكان آنذاك في مسجد بني سالم في المدينة المنوّرة، والّذي يسمّى اليوم مسجد القبلتين، يصلّي صلاة الظّهر أو صلاة العصر، على اختلاف الرّوايات، مع أصحابه. وبعد ركعتين من هذه الصّلاة، أخذ جبريل بعضد رسول الله (ص) وهو يصلّي، وَوَجَّهَه باتّجاه الكعبة المشرّفة في المسجد الحرام، بعدما كان يتوجّه، وبناءً على أمر الله سبحانه وتعالى له، إلى المسجد الأقصى.
وقد أشارت الآيات الكريمة الّتي تلوناها إلى أنَّ هذا التّبديل في القبلة هو ما كان ينتظره رسول الله (ص)، لكونه كان يعرف أنَّ الأمر بالتّوجّه إلى المسجد الأقصى هو تدبير مؤقّت من قبل الله سبحانه وتعالى، وخصوصًا بعدما استغلّ اليهود توجّهه إلى بيت المقدس الّتي هي وجهتهم في الصَّلاة للإيحاء بتبعيّته لهم، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين (ع) عندما قال: إنَّ رسول الله (ص) كان من أوّل مبعثه يصلّي إلى بيت المقدس، وبعد هجرته إلى المدينة بأشهر، عيَّرته اليهود، وقالوا له إنَّك تابع قبلتنا، فأحزن ذلك النّبيّ (ص)، حتّى أنزل الله عزَّ وجلَّ الآية الّتي تلوناها.
 
لماذا بيت المقدس أوّلًا؟!
هنا قد يطرح التّساؤل: ما دام التّوجّه إلى الكعبة المشرّفة هو ما أراده الله عزّ وجلّ قبلة للمسلمين، وهو ما كان يتطلّع إليه النّبيّ (ص)، وينتظر بفارغ الصّبر حدوثه، فلماذا كانت الوجهة منذ البداية إلى بيت المقدس ولم تكن إلى الكعبة المشرّفة؟ 
يعود ذلك إلى عدَّة أمور؛ أوّلها أنّ الكعبة المشرّفة كانت آنذاك بيتًا للأصنام، لذا جاء أمر الله عزّ وجلّ بالتّوجّه إلى بيت المقدس، حتّى لا تكون وجهة رسول الله (ص) والمسلمين في صلاتهم إلى حيث الأصنام، وليتميّزوا بذلك عن المشركين الّذين كانوا يعبدون الأصنام، وكانت وجهتهم إلى الكعبة.
وثانيًا ليشير بالتّوجّه إلى بيت المقدس الّتي كانت قبلة اليهود والنّصارى، إلى نظرة الإسلام إلى اتّباع هاتين الدّيانتين، وأنّ الإسلام لم يأتِ ليلغي الدّيانات الّتي سبقته، بل جاء استكمالًا لها ومتمّمًا لما جاءت به، وهو يمدّ يده إليهما للتَّلاقي والتّعاون، وهو ما ورد في قوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ}، فكان التّوجّه إلى بيت المقدس يعزّز من العلاقة مع أتباع الدّيانات السّماويّة الأخرى، ويزيل الحاجز الّذي قد نشأ بقيام رسول الله (ص) بالدَّعوة إلى دينه، والحساسيَّات الّتي يؤدّي إليها الاختلاف الموجود بين الإسلام وبين الدّيانتين حول بعض القضايا.
وثالثًا أريد من ذلك تعزيز موقع المسجد الأقصى في نفوس المسلمين، عندما أمر بالتّوجّه إليه لخمس عشرة سنة، ليبقى على مرّ التّاريخ في أذهان المسلمين القبلة الأولى لهم، بحيث يحفظونه كما يحفظون المسجد الحرام والكعبة المشرّفة.
 
التَّشكيك.. والرّدّ الإلهيّ
لقد أثار هذا الحكم ردود فعل سلبيّة ممّن رأوها فرصة للنّيل من رسول الله (ص) ومن دعوته، حصل ذلك من اليهود الّذين كانوا يريدون أن تبقى القبلة البيت المقدس، واعتبروا أنّ نقلها خسارة معنويّة لهم وإضعافًا لموقفهم، لذا راحوا يقولون لو أنَّ محمّدًا كان نبيًّا حقًّا، لما خالف قبلة الأنبياء قبله، أمّا إنّه قد خالفها، فهو ليس بنبيّ، فيما راح المنافقون في المدينة يقولون: إن كانت الأولى حقًّا فقد ترك الحقَّ، وإن كانت الثّانية هي الحقّ فقد كان على باطل. أمّا المشركون، فقالوا ما معنى أن يأمر محمَّد بشيء ثمّ يتراجع عمَّا رأى، وأثاروا الشّكوك حول جدوى عبادة من صلّى سابقًا إلى المسجد الأقصى... وأنّهم على خطأ تسبّب به رسول الله (ص)... 
وقد جاء ردّ الله عزّ وجلّ على كلّ المشكّكين بهذا التّشريع ومن أثاروا التّساؤلات حوله، بأنّ تشريع القبلة لا يعود الأمر فيه إلى النّبيّ (ص)، بل يعود إليه سبحانه وتعالى، فهو من أمر بالصّلاة وبالعبادات، وهو من يحدّد إلى أين يتوجّه المؤمنون في صلواتهم وعباداتهم {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}، والله عندما يأمر فلحكمة ومصلحة يريدها لعباده، وهو أمر بالتّوجّه إلى المسجد الأقصى، وكما أشرنا، لكون الكعبة كانت آنذاك مكانًا للأصنام، حتّى لا تكون وجهة المسلمين في صلاتهم إليها، لكن مع بداية انحسار الشّرك في مكّة، وبعد هجرة النّبيّ (ص) إلى المدينة، وتثبيت موقع الإسلام فيها، وبداية تحقّق الانتصار للمسلمين، لم تعد هناك ضرورة لاستمرار هذا التّشريع، وهذا ما عبّر عنه الله سبحانه وتعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.
فيما أجاب القرآن الكريم عمَّا أثاره البعض من الّذين قالوا لرسول الله (ص) كيف بإخواننا الّذين ماتوا وكانوا قد صلّوا إلى المسجد الأقصى، أو حال صلاتهم الّتي صلّوها إليه، فأجاب بأنّه لا شكّ في صحّة هذه الصّلاة، لأنّها جاءت بأمر الله، وهذا ما عبّر عنه تعالى بقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، وقد أشار القرآن الكريم إلى أنَّ تبديل القبلة كانت له فائدة أخرى، وهي أنّه عزّز صدقيّة نبوّة رسول الله (ص) عند أهل الكتاب الّذين وجدوا في كتبهم أنَّ النّبيّ الّذي سيأتي سيصلّي ومن معه إلى قبلتين، وهذا ما أشار اليه الله عزّ وجلّ: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}.
 
أبعاد التَّشريع الجديد
لقد جاء هذا الحدث المفصليّ في تاريخ الإسلام ليشير إلى عدّة أمور:
أوّلًا: أشار إلى نجاح المسلمين في هذا الامتحان الّذي مرّوا به حين أطاعوا الله ورسوله (ص) التزامًا بقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، فتبديل القبلة كان امتحانًا لمدى ثباتهم على إيمانهم، وعدم تردّدهم بالأخذ به، فهم لم يتراجعوا عنه، رغم أن التّبديل يوحي بعدم ثبات ما يأتي عن الله عزّ وجلّ وعن رسوله (ص) ممّا لم يعتادوا عليه، وهذا ما أشار إليه الله سبحانه وتعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ}.
ثانيًا: أشار إلى مرونة التّشريع الإسلاميّ، وأنّ الأحكام عند الله عزّ وجلّ قد تتغيّر بناءً على المصلحة، والأحكام فيه خاضعة للمصالح والمفاسد. لهذا كان من الطّبيعيّ أن تكون وجهة المسلمين إلى المسجد الأقصى عندما عندما كانت المصلحة تقتضي ذلك، وأن تكون إلى المسجد الحرام عندما صار الأولى التّوجّه إليه، وهذا ما أشار إليه الله سبحانه وتعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا}.
ثالثًا: أشار هذا الحدث إلى النّعمة الّتي نحن فيها، والّتي أنعم الله عزّ وجلّ بها على المسلمين جميعًا بكلّ مذاهبهم، أن حدّد لهم قبلة واحدة يتوجّهون إليها في صلاتهم وعباداتهم ودعائهم، وجعلها إلى المسجد الحرام الَّذي هو أقدم بيت عبادة {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} وعنوانًا لتوحيد الله، وفيه يتلاقى المسلمون ويجتمعون، لأنّه موضع طوافهم وحجّهم، ما يعزّز لديهم الشّعور بالوحدة، ويذيب إن هم استحضروها وعاشوها وعبّروا عنها، كلّ الحساسيّات الّتي قد تنشأ عن اختلافهم مذاهب وعقائد وشعوبًا، ما يجعلهم بذلك، كما أراد الله عزّ وجلّ لهم، أمّة متكافئة متعاونة متبادلة، يقوّي بعضُها بعضَها الآخر، ويَشُدُّ بعضها أزر بعض، لتكون بذلك خير أمّة أخرجت للنَّاس.
 
 
الخطبة الثّانية
 
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نعزّز في نفوسنا حسن الظّنّ بالله، بأن نجسّد هذه القيمة، وأن تكون حاضرة فينا عندما تواجهنا الابتلاءات والصّعوبات، على المستوى الشّخصيّ أو العائليّ، أو على مستوى الجماعة والأمَّة، وكلّما اشتدّت الأمور وتأزّمت، بأن نرى الله في كلّ ذلك نعم المولى ونعم النّصير ونعم المعين، وأن نثق بعهوده ووعوده لنا، وبأنّه لا يريد بنا إلّا خيرًا، حتّى لو ابتلينا وعانينا وتألّمنا وخسرنا... 
وهو ما أشار إليه الله عزّ وجلّ في حديث قدسيّ لنبيّه موسى (ع): "يا موسى، ما خلقت خلقًا أحبّ إليّ من عبدي المؤمن، وإنّي إنّما أبتليه لما هو خير له، وأعافيه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عبدي عليه، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي، أكتبه في الصّدّيقين عندي، إذا عمل برضاي وأطاع أمري".
وقد وُعِدْنَا أنّ من أحسن الظّنَّ بالله، سيحظى بما ظنَّهُ به، حيث ورد في الحديث عن رسول الله (ص): "والّذي لا إله غيره، لا يُحسن عبدٌ بالله عزّ وجلّ الظنَّ إلّا أعطاه الله ظنّه، ذلك أنَّ الخير كلّه في يده"، وبذلك سنكون أقوى وأكثر قدرةً على مواجهة التّحدّيات والأزمات والصّعوبات.
 
التَّمادي الصّهيونيّ 
والبداية من الاعتداءات الإسرائيليَّة الّتي شهدناها هذا الأسبوع، والّتي استهدف العدوّ فيها العديد من البلدات الجنوبيّة وصولًا إلى البقاع، وأدّت إلى تدمير بنى تحتيّة تستخدم للإعمار، وإلى تهجير عشرات العائلات، فيما تستمرّ عمليّات الاغتيال والتّفجير للمنازل في القرى الحدوديّة لمنع أهلها من العودة إليها، وقد لجأ العدوّ، ولأوّل مرّة، إلى رشّ موادَّ سامّة على الأحراج والأراضي الزّراعيّة للإضرار بها، في اعتداء كبير على البيئة والمزروعات، ممّا أشار وزير الزّراعة إلى مدى خطورتها على الحياة وعلى الأرض والمياه والإنسان، فيما تستمرّ مسيّراته بهتك السّيادة اللّبنانيّة، وتصل إلى العاصمة.
يجري كلّ ذلك وسط صمت الدّول الرّاعية للاتّفاق، الّتي لا تزال، ورغم ما يجري، تستنكف عن القيام بالدّور المطلوب منها، بإلزام العدوّ بتنفيذ ما التزم به تجاه لبنان، بعد أن وفى لبنان بما عليه، بل نجدها تمارس الضّغط على لبنان للقيام بأكثر ممّا هو مطلوب منه بموجب الاتّفاق. 
لقد أصبح من الواضح أنّ ما يجري يراد منه دفع البلد إلى الخيارات الَّتي يريدها هذا العدوّ ويسعى إليها، والّتي ستكون على حساب أمنه وسيادته على أرضه واستقراره، مستفيدًا من القدرات الّتي يمتلكها وحريّة الحركة الّتي استمدّها من الدَّعم الخارجيّ، والّتي تجعله يمارس اعتداءاته من دون حسيب أو رقيب، ومن الانقسام الدَّاخليّ الّذي لا يزال هذا البلد يعانيه. 
إنّنا أمام ما يجري، نحيّي أهلنا في الجنوب والبقاع، الّذين يصرّون على البقاء في أرضهم والثّبات فيها، والّذين يقدّمون في كلّ يوم أمثولة في التّضحية والفداء والصّبر وحبّ الأرض والوطن، رغم الأثمان الغالية الّتي يدفعونها من حياتهم وممتلكاتهم وأرزاقهم، وهم بذلك يفوّتون الفرصة على العدوّ في تحقيق هدفه وتيئيسهم لدفعهم للقبول بخياراته. 
 
مسؤوليَّةُ تعزيزِ الصُّمود
وهنا ندعو الدّولة اللّبنانيَّة إلى القيام بالدّور المطلوب منها لدعم صمودهم، ورفدهم بكلّ ما يحتاجونه من وسائل الصّمود على الصّعيدين المادّيّ والمعنويّ، وأن لا تدعهم يعانون وحدهم من جرّاء اعتداءات هذا العدوّ، بل تكون لهم سندًا وعضدًا.
ونأمل أن تسهم المبادرة الّتي يقوم بها رئيس الحكومة بزيارة الجنوب، ومعاينة معاناة أهله، بالدّفع لتحقيق ما يتطلّعون إليه ممّا هو واجب على دولتهم، والّذي به تتعزّز ثقتهم بها.
في الوقت الَّذي ندعو اللّبنانيّين جميعًا إلى أن يكونوا سندًا وقوّة لمن يعانون اعتداءات هذا العدوّ، حتّى يشعروا أنّهم لا يعانون وحدهم، بل الوطن كلّه بكلّ أطيافه ومذاهبه يقف معهم، ما يعزّز صمودهم، ويشدّ من أزرهم، ويرسّخ الوحدة الوطنيَّة الّتي ستكون نتائجها ليس لحسابهم فقط، بل لحساب البلد كلّه واللّبنانيّين جميعًا.
في الوقت الّذي نريد للّبنانيّين أن يكونوا واعين جيّدًا للمخاطر القادمة الّتي لا بدّ أن تنعكس على لبنان، وأن يتوحّدوا في مواجهتها، وأن يكون التَّعامل معها وفق مصلحة هذا البلد، لا مصلحة هذه الطّائفة أو تلك، أو هذا المذهب أو ذاك، أو هذه الجهة أو تلك. إنَّ على اللّبنانيّين أن يعوا أنّهم في مركب واحد، إن غرق يغرق الجميع، وإن سلم يسلمون جميعًا.
 
مطالب.. وانتخابات 
نبقى في الدّاخل، لنعيد التّأكيد على الدّولة بضرورة الإصغاء جيّدًا إلى مطالب القطاع العامّ والمعلّمين في المدارس، لضمان حقوقهم، وجعلهم قادرين على القيام بمسؤوليّاتهم، لتسير عجلة الدّولة والمواطنين والتّعليم في المدارس الرّسميّة، والاستمرار في العمل لاستعادة المودعين لأموالهم... وفي الوقت نفسه، فإنّنا نقف مع كلّ الدّاعين لإجراء الانتخابات في وقتها، حتّى يتاح للشَّعب اللّبنانيّ أن يختار ممثّليه القادرين على القيام بمسؤوليَّته وحمل همومه، وإخراج هذا البلد من تحت نير الفساد والمحاصصة واستعادة أرضه وسيادته عليها.
 
إيران تواجه التَّحدّيات
ونصل إلى الجمهوريّة الإسلاميَّة في إيران، الّتي لا تزال تواجه التّحدّي الّذي ينتجه حشد الأساطيل الحربيَّة الّتي تهدف إلى منع إيران من حقّها بالسّيادة على أرضها وثرواتها، والاستفادة من التّقنيّة النّوويّة السّلميَّة، بما يعزّز من موقعها العلميّ ونهضتها الصّناعيّة والتّقنيّة والطّبيّة.
إنّنا أمام ما يجري، نثق بحكمة قيادتها في التّعامل مع هذا التّحدي، وهنا نضمّ صوتنا إلى كلّ الأصوات الّتي دانت الإساءة والتَّهديدات لمقام قائد الجمهوريّة الإسلاميّة، والموقع الدّينيّ الّذي يمثّله، والدّور الّذي يقوم به على الصّعيد الإسلاميّ والعالميّ، ونأمل أن تنجح كلّ الجهود الّتي تبذل من أجل التّوصّل إلى صيغة اتّفاق تضمن حصول إيران على حقوقها، وتحول دون التّداعيات الخطيرة الّتي تنتج من الحرب إذا اندلعت، والّتي لن تقف تأثيراتها عند حدود إيران، بل قد تتجاوزها إلى المنطقة كلّها...
 
غزّة: استمرارُ خرقِ الاتّفاق
ونصل إلى غزّة، حيث يستمرّ العدوّ في خرق الاتّفاق، من خلال مضيّه في عمليّات الاغتيال والقتل والتّدمير والحصار، وهو ما يستكمل في الضّفّة الغربيّة... إنّنا أمام ذلك، نجدّد دعوتنا الدّول الرّاعية للاتّفاق، إلى القيام بمسؤوليّتها بردع العدوّ عن الاستمرار في خرقه والعبث به، في الوقت الّذي ندعو الدّول العربيّة والإسلاميّة إلى تحمّل مسؤوليّتها لحماية الشّعب الفلسطينيّ، ومنع استمرار عمليَّة الإبادة والتَّهجير الّتي يواجهها. 
اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير