14/06/2026

‎السّنة الهجريَّة: استلهام الدّروس من التَّضحيات الّتي صنعت فجر الإسلام

‎السّنة الهجريَّة: استلهام الدّروس من التَّضحيات الّتي صنعت فجر الإسلام

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} صدق الله العظيم.
نلتقي بعد أيّام، ومع بلوغنا شهر محرَّم الحرام، بسنة هجريَّة جديدة، وهي السّنة 1448 للهجرة، هذه السّنة الّتي تحتضن في داخلها الأشهر القمريَّة الاثني عشر الَّتي حدَّدها الله لعباده منذ أن خلق السّماوات والأرض، عندما قال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}، والّتي تعود أهمّيّتها إلى كونها تؤرّخ للفرائض والنّوافل والمناسبات الّتي نحن مدعوّون للقيام بها وإحيائها، وبها نتقرّب إلى الله عزّ وجلّ، كشهر رمضان، وأشهر الحجّ (شوّال، وذو القعدة، وذو الحجّة) والأشهر الحرم الّتي حرّم الله فيها الحروب والقتال، ودعا إلى إيقاف الصّراعات فيها وتجميدها...
هجرة الرّسول (ص)
وقد شاء رسول الله (ص) أن يرتبط هذا التَّقويم بأهمّ حدث حصل في التّاريخ الإسلاميّ، حين هاجر (ص) من مكّة، حيث كان هو والمسلمون يعانون ضغوط قريش، إلى فضاء الحريّة الّتي تحقّقت لهم في المدينة المنوّرة، والّتي مكّنت رسول الله (ص) من أن يبلّغ رسالته، وأن يوصلها إلى أصقاع العالم. وقد اتّخذ (ص) قرار الهجرة عندما تداعى رجالات قريش وزعماؤها لمواجهة الخطر الّذي بات يشكّله رسول الله (ص)، بعد أن توسّع دوره، وبلغ برسالته إلى المدينة المنوّرة، وبعدما فشلت كلّ وسائل التّرغيب والتّرهيب الّتي استعملوها لثنيه عن الاستمرار في دعوته، وكان أمامهم خيارات ثلاث؛ إمّا حبس رسول الله (ص) وتقييد حريّته حتّى الموت، أو القتل، أو النّفي والإبعاد عن مكّة.
وهذا ما أشار إليه الله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}.
وبعد المداولات بينهم، استقرَّ رأيهم على أنَّ الحلّ الأمثل هو قتل رسول الله (ص) وهو نائم على فراشه، على أن تتشارك في هذا الأمر كلُّ بطون قريش، حتّى يضيع دمه بين عشائرها، ولا يستطيع عندها بنو هاشم وبنو عبد المطَّلب، وهم عائلة النّبيّ (ص)، أن يثأروا لقتله، لعدم قدرتهم على مواجهة بطون قريش وعشائرها بأكملها، وتنتهي القضيَّة عند هذا الحدّ... 
خطّة اغتيال الرّسول (ص)
وانفضَّ الاجتماع على هذا الرّأي، وبدأ الإعداد لاغتيال رسول الله (ص) بأن ينقضّ عليه أربعون رجلًا يمثّلون كلّ قريش وهو نائم على فراشه.
ولـمّا وصل الخبر إلى رسول الله (ص)، رأى أنّه آن الأوان ليهاجر إلى المدينة المنوَّرة، وهو ما كان يخطّط له قبل ذلك، بعد أن توفّرت فيها القاعدة الّتي تجعل منها مكانًا آمنًا لنشر دعوته.
ولتوفير الخروج الآمن لرسول الله (ص)، كان لا بدَّ من أن يبيت شخص في فراشه، ليوهم بذلك من كانوا يترصّدون به أنّه لم يغادر.
ولم يكن غير عليّ (ع)، ليؤدّي هذا الدّور. أخبر رسول الله (ص) عليًّا بالأمر، واكتفى الإمام (ع) يومها بأن قال له: "أوَتسلمنَّ بمبيتي يا نبيّ الله؟"، فقال له رسول الله (ص): نعم. فتبسّم عليّ (ع) وقال: "امضِ لما أمرت، فداك سمعي وبصري...". وفي ذلك نزلت الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}.
مضى عندها رسول الله (ص) إلى هجرته، فيما حاصر أربعون شابًّا من قريش بيت رسول الله (ص)، وقد جرَّدوا سيوفهم ينتظرون الفجر. وما إن لاح لهم ضوء الفجر، حتّى بدأوا الهجوم بتنفيذ خطّتهم بالانقضاض على فراش رسول الله (ص)، عندها هبّ عليّ (ع)، فصُعق القوم منه وتفرّقوا، وحتّى لا يضيِّعوا الفرصة عليهم للّحاق برسول الله (ص) قبل أن يصل إلى مقصده، أرسلت قريش فرسانها وشبابها للبحث عنه في فيافي الصّحراء، وتتبَّعوا لذلك آثار قدمي رسول الله (ص) ومن معه، ووصلوا إلى باب غار ثور، حيث كان رسول الله (ص) مع صاحبه، وشاء الله عزَّ وجلَّ أن يحفظ رسوله، وأن يمنع كيدهم عنه، ما جعلهم يتراجعون عن الدّخول إلى الغار.
وإلى هذا أشار الله سبحانه: {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
مكث الرَّسول في الغار ثلاثة أيّام مع صاحبه، حتّى يطمئنّ إلى مغادرة قريش ويأسها من الوصول إليه، بعدها تابع رحلته حتّى وصل إلى مشارف المدينة، حيث استقبله أهلها بأسمى كلمات التَّرحيب.
الدّعوة في المدينة
وفي المدينة المنوَّرة حيث استقرّ به المقام، بدأ رسول الله (ص) يعدّ العدّة للمرحلة الجديدة؛ فكان أوّل ما قام به هو بناء المسجد النّبويّ الشّريف، ليكون ملتقى المسلمين بكلّ تنوّعاتهم، ومظهرًا لوحدتهم، وآخى بعدها بين المهاجرين من مكّة والأنصار في المدينة، ليقوّي دعائم المجتمع الإسلاميّ، وقد عبّروا عن هذه الأخوَّة بتقاسم الأنصار، وهم أهل المدينة، البيوت والمال ومواقع العمل، مع المهاجرين من مكّة، فيما عمل من خلال وثيقة المدينة على تعزيز العلاقة بين مكوّناتها على اختلاف تنوّعاتها الدينيّة، ما مهّد لرسول الله (ص) والمسلمين أن يعودوا إلى مكّة فاتحين، ليبزغ معها فجر جديد من تاريخ البشريَّة.
إحياء الذّكرى وأمانة المسؤوليَّة
أيّها الأحبّة، إنّنا معنيّون بإحياء رأس السّنة الهجريّة وما تحمله من دلالات، بأن نعزّز حضورها في بيوتنا ومواقع عملنا، وعلى صعيد مواقع الإعلام والتّواصل، وأن نعتمدها في تأريخنا للأحداث الَّتي تجري في حياتنا وواقعنا، وأن نستحضر مع بداية السّنة الهجريّة مدى التّضحيات الّتي عاناها رسول الله، (ص) حين هاجر هو والمسلمون معه من مكّة إلى المدينة، تاركين وراءهم دُورهم وأهلهم ومواقع عملهم لأجل الله عزَّ وجلَّ وفي سبيله، وحتّى يصل إلينا هذا الدّين وننعم به، وأن نكون على استعداد لنبذل جهودنا حتّى نوصله إلى الأجيال القادمة، مهما بلغت الأثمان وعظمت التّضحيات.
وأخيرًا، أن تكون بداية السّنة الهجريّة فرصةً لنا لنجري مراجعة حساب مع أنفسنا لما قدّمناه في السّنة الماضية، بأن نتوب إلى الله عزّ وجلّ إن نحن أسأنا أو قصّرنا تجاهه سبحانه، وفي أدائنا لمسؤوليّاتنا الملقاة على عاتقنا، وأن يكون دعاؤنا: "اللَّهمَّ اجعل مستقبل سنتنا خيرًا من ماضيها، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيّامنا يوم نلقاك فيه".
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عبادَ الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نستقبل رأسَ السَّنة الهجريَّة بما ورد في بعض الرّوايات من صلاة ركعتين، وبعدها ندعو الله: "اللَّهمَّ ما عملت في هذه السّنة من عمل نهيتني عنه ولم ترضه، ونسيته ولم تنسه، ودعوتني إلى التّوبة بعد اجترائي عليك، اللّهمّ فإنّي أستغفرك منه، فاغفر لي، وما عملت من عمل يقرّبني إليك، فاقبله منّي، ولا تقطع رجائي منك يا كريم".
وقد ورد في الرّوايات عن ردّ فعل الشَّيطان، عندما يرى العبد مقبلًا على ربّه بالتّوبة والنّدم على ما مضى من ذنب أو تقصير، أنّه يقول: "يا ويلي! ما تعبت فيه هذه السّنة، هدمه أجمع بهذه الكلمات، وشهدت له السّنة الماضية أنّه قد ختمها بخيْر".
أمّا عند بداية سنة جديدة، وفي أوّل يوم فيها، فقد ورد عن رسول الله (ص) أنّه كان يصلّي ركعتين، ويدعو بعدهما بهذا الدّعاء: "اَللّهُمَّ أَنْتَ الإلِهُ الْقَديمُ، وَهذِهِ سَنَة جَديدَة، فَأَسْأَلُكَ فيهَا الْعِصْمَةَ مِنَ الشَّيْطانِ، وَالْقُوَّةَ عَلى هذِهِ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسّوءِ، وَالاْشْتِغالَ بِما يُقَرِّبُني إِلَيْكَ يا كَريمُ، يا ذَا الْجَلالِ وَالإكْرامِ".
أيّها الأحبَّة، بهذه الصّورة علينا أن نودّع سنة ذهبت، ونستقبل سنة جديدة؛ بأن نجري جردة حساب دقيقة على ما أسلفناه، كي نعزّز الإيجابيّات، ولا نكرّر الأخطاء، وأن نعدّ أنفسنا لنكون قادرين على أن تكون سنتنا الجديدة أفضل في سلّم سعينا لبلوغ رضا الله.
وبهذه الصّورة، نحسن التّعامل مع زمن مضى وزمن قادم، ونملك القدرة على مواجهة التّحدّيات. 
العدوان المستمرّ.. والمقاومة 
والبداية من العدوان الصّهيونيّ المستمرّ والمتصاعد، والّذي لا يزال يستهدف القرى والبلدات في الجنوب والبقاع، ويخلّف وراءه مزيدًا من الشّهداء والجرحى، والتّدمير للمباني والمؤسّسات التّجاريّة، والمزيد من أعداد النّازحين من أرضهم، فيما يستمرّ في محاولاته للتّقدّم واحتلال أراضٍ جديدة.
يحصل كلّ ذلك من دون أن يكون هناك من يعمل على منعه من الاستمرار في عدوانه وكفّ يده، سوى من نذروا أنفسهم للدّفاع عن أرضهم ووطنهم والذّود عنه، حتّى لا يستباح من هذا العدوّ، رغم عدم تكافؤ القدرات والإمكانات معه، وهم في كلّ يوم يقدّمون لأجل ذلك الأثمان الباهظة وأغلى التّضحيات. 
تداعيات الانقسام
ولعلّ من المؤسف أن تجري كلّ هذه الاستباحة من العدوّ في ظلّ الانقسام الحادّ الّذي نشهده على الصّعيد السّياسيّ، حيث تتقدّم لغة التّراشق بالاتّهامات إلى حدّ التّخوين، على لغة الحوار والتّلاقي، وتتقدَّم الحسابات الضّيّقة والفئويَّة على الحسابات الوطنيَّة، مع ما لذلك من تداعيات على أرض الواقع. 
ومن هنا، فإنّنا نجدّد دعوتنا إلى التَّلاقي على مستوى مواقع الدّولة والجهات الفاعلة في البلد، للوصول إلى صيغة وطنيّة جامعة تضمن إخراج البلد من الانزلاق الّذي وصل إليه، والوصول إلى ما يحفظ أمن البلد وسيادته ويعيد إليه أرضه، بعدما أصبح واضحًا أنّ استمرار التّباعد، وما يرافقه من تداعيات سياسيّة وأمنيّة وشعبيّة، لن يؤدّي إلّا إلى مزيد من الضّعف الّذي يستفيد منه العدوّ...
وهنا ننوّه بكلّ المبادرات الّتي تجري لتأمين الظّروف المناسبة لحصول هذا التّلاقي، وسعيًا لإيجاد الحلول الّتي تؤدّي إلى إيقاف النّزيف الّذي يعانيه البلد، وترفع رزء الاحتلال عن كاهل الوطن، وتعيد الأهالي إلى أرضهم، كلّ أرضهم. فيما نأمل أن تنعكس أجواء الاتّفاق الّذي يجري العمل له، والّذي نرجو أن يتحقّق بين الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران والإدارة الأميركيّة، إيجابًا على لبنان، وأن يساهم في إيقاف العدوان عليه. وهنا نقدّر موقف الجمهوريّة الإسلاميّة في حرصها على أن يكون وقف الحرب في لبنان بندًا أساسيًّا من بنود هذا الاتّفاق.
ونؤكّد مجدّدًا ضرورة خروج اللّبنانيّين من الخطاب المستفزّ المتوتّر والموتّر الّذي نشهده على مواقع الإعلام والتّواصل وعلى المنابر، والّذي يهدّد وحدتهم، ويسمح للعابثين بها أن يجدوا مجالًا رحبًا لتحقيق أهدافهم، فلا خيار للّبنانيّين إلّا أن يعيشوا معًا، وأن يتقبّل بعضهم بعضًا...
تخفيف الأعباء الاقتصاديّة
ونبقى في الدّاخل، لنجدّد دعوتنا الدّولة إلى مزيد من الحضور على صعيد قضايا المواطنين، لمواجهة الأعباء الّتي يعانونها على المستوى المعيشيّ والحياتيّ، بفعل ارتفاع الأسعار الّذي وإن كان له بعد خارجيّ بسبب الأزمات والحروب الدّائرة، فإنّ له بعدًا داخليًّا أيضًا، والدّولة معنيّة به من خلال الرّقابة على الأسعار ومنع الاحتكار، أو بمتابعة جادّة لأزمة النّزوح المتزايدة، وتأمين الظّروف لتوفير حياة لائقة للنَّازحين، وعدم تركهم تحت وطأة من يستغلّون حاجاتهم للسّكن أو لغيره، فيزيدون من الأعباء المترتّبة عليهم.
موسم عاشوراء
وأخيرًا، نطلّ في الأيّام القادمة، وبدءًا من يوم الثّلاثاء، على موسم عاشوراء؛ هذا الموسم الّذي نريده أن يكون موسمًا يساهم في تعزيز القيم الّتي لأجلها قدّم الحسين (ع) دمه ودماء أصحابه وأهل بيته، وهي الإصلاح، بأن نمهّد لورشة تساهم في إصلاح واقعنا من كلّ ما نعانيه من انحراف وفساد وظلم واحتلال على كلّ المستويات، ونتزوّد منها معاني العزّة والكرامة والحريّة، وأن لا نعطي بأيدينا إعطاء الذّليل، ولا نقرّ إقرار العبيد. 
 
 القيت في  12-6-2026 
اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير