26/07/2026

معالم الشَّخصيَّة الرّساليَّة في أحاديث الإمام الكاظم (ع)

معالم الشَّخصيَّة الرّساليَّة في أحاديث الإمام الكاظم (ع)



قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} صدق الله العظيم.
مرَّت علينا في السَّابع من شهر صفر ذكرى الولادة المباركة للإمام السَّابع من أئمَّة أهل البيت (ع)، وهو الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع).
هذا الإمام الَّذي أشار الشَّيخ المفيد (ره) في كتابه "الإرشاد" إلى التّميّز الَّذي عرف عنه، عندما قال: "كان موسى بن جعفر الكاظم (ع) أجلّ ولد أبي عبد الله (ع) قدرًا، وأعظمهم محلًّا، وأبعدهم في النَّاس صيتًا، ولم ير في زمانه أسخى منه، ولا أكرم نفسًا وعشرةً، وكان أعبد أهل زمانه، وأورعهم وأجلّهم وأفقههم وأشجعهم".
مسؤوليَّةُ الإمامة
تسلَّم الإمام الكاظم (ع) زمام مسؤوليَّة الإمامة بعد وفاة أبيه الإمام الصَّادق (ع)، وهو في العشرين من عمره، وقد عانى طوال مرحلة إمامته الّتي امتدَّت إلى خمس وثلاثين سنة، من ظلم الحكَّام العبّاسيّين الَّذين تعاقبوا في تلك الفترة، وكان أشدّها في عهد هارون الرَّشيد الَّذي أدخله أقبية سجونه لمدَّة استمرَّت سبع سنوات أو عشرًا، بحسب اختلاف الرّوايات. 
لكنَّ هذه المعاناة، رغم قساوتها، لم تفتّ من عضد الإمام، ولم تضعفه عن أداء دوره الرّساليّ ووقوفه في وجه ظواهر الانحراف على الصّعيد الفكريّ والعقيديّ والتّشريعيّ والسّلوكيّ.
ولقد ترك لنا هذا الإمام، ورغم كلِّ الظّروف الصَّعبة الّتي عاشها، زادًا وفيرًا من الأحاديث والفقه والتّفسير والمواعظ والوصايا.
ونحن اليوم سنستفيد من هذه المناسبة، لنشير إلى أحاديث عدَّة وردت عنه:
الحقُّ فوق الانتماءات
الحديث الأوَّل: هو ما قاله لأحد أصحابه: "لا تكن إمَّعة، فقد نهى رسول الله (ص) أن يكون الرَّجل إمَّعة". ولمـَّا سأله الصّحابيّ: وما الإمَّعة يا بن بنت رسول الله؟ قال (ع): "لا تقولنَّ: أنا مع النّاس، وأنا كواحد من النّاس، إنَّما هما نجدان: نجد خير، ونجد شرّ، فلا يكن نجد الشَّرّ أحبّ إليكم من نجد الخير".
لقد أراد الإمام (ع) من ذلك أن يبيّن ما نهى عنه رسول الله (ص)، وهو أن يكون الإنسان في آرائه ومواقفه وقراراته صدى للنّاس الّذين ينتمي إليهم، سواء كان هؤلاء من أبناء عائلته أو عشيرته أو طائفته أو مذهبه أو موقعه السّياسيّ، بحيث يُحسن إن هم أحسنوا، ويسيء إن هم أساؤوا، وأن يكون معهم على الحقّ أو على الباطل، كما قال الشَّاعر: 
    ومَا أنَا إلا من غَزِيَّةَ إنْ غوَتْ       غوَيْتُ وإنْ تَرشُدْ غزَّيَةُ أَرْشُدِ
وغَزِيَّةَ هي قبيلة من القبائل العربيّة. 
فما يريده رسول الله (ص)، أن يكون الإنسان مع من ينتمي إليهم أو يلتزم بمواقفهم إن كانوا على حقّ، وأن يرفض الباطل إن صدر عنهم، بحيث يكون الحقّ في قراراته ومواقفه وتأييده ورفضه، لا أيّ شيء آخر.
التَّوازنُ في إدارة الحياة
الحديث الثَّاني: "اجتهدوا في أن يكونَ زمانكم أربعَ ساعات: ساعة لمناجاة الله عزَّ وجلَّ – بأن يكون لنا وقت نذكره فيه وندعوه ونستغفره ونعظّمه ونعبده – وساعة لأمر المعاش – لنلبّي احتياجاتنا واحتياجات من هم بعهدتنا – وساعة لمعاشرة الإخوان والثّقات، الّذين يعرّفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن – بأن نخصّص وقتًا لنعاشر من نرى فيهم الإخلاص لتحسين إيماننا وأخلاقنا وأدائنا في الحياة، ممّن ينبِّهوننا إلى أخطائنا وعيوبنا ونقائصنا، لا من يجاملوننا أو يتغاضون عنها – وساعة تخلون فيها للذَّاتكم في غير محرَّم – بأن لا ننسى الاستفادة من وقتٍ نفرّغه لأنفسنا، للأخذ من متع الحياة ولذَّاتها، شرط أن لا يكون من حرام، وممّا يعيننا على القيام بمسؤوليَّاتنا، لا تلك الّتي تجعلنا ننساها أو نغفل عنها، وهذا ما أشار إليه الإمام (ع) عندما قال: وبهذه السَّاعة تقدرون على الثَّلاث ساعات".
محاسبةُ النَّفس
الحديث الثَّالث: "ليس منَّا من لم يحاسبْ نفسَهُ في كلِّ يوم، فإنْ عملَ خيرًا استزادَ الله منْهُ وحَمَدَ اللهَ عليْهِ، وإنَ عملَ شرًّا استغفرَ اللهَ منْهُ وتابَ إليه".
لقد أراد الإمام (ع) أن يشير إلى حقيقةٍ ينبغي أن لا تغيب عن كلّ مسلم، وكلّ من يلتزم بخطّ أهل البيت (ع)، بأن يكون مقياس التزامه بإسلامه وخطّ أهل البيت (ع) هو أن يجعل لنفسه كلّ يوم وقتًا يحاسب فيه نفسه، إن هي قصّرت بواجباتها وأخلّت بمسؤوليّاتها والإحسان إلى من يحتاج إليها، وأن لا يدع ذلك إلى يوم آخر، وأن يكون حسابه لها أشدّ من محاسبة الشَّريك لشريكه، فإن هي أحسنت، شكر الله عزَّ وجلَّ، وقرَّر أن يفعل المزيد، وإن أساءت، سارع إلى التَّوبة والاستغفار، وإصلاح ما فسد والتَّعويض عمَّا انقضى. 
عزَّةُ الموقفِ 
الحديث الرَّابع: ورد حين أرسل الخليفة العباسيّ هارون الرّشيد خلف وزيره يحيى بن خالد البرمكيّ، وأمره بأن يذهب إلى الإمام (ع)، ويبلغه أنَّه على استعداد لإطلاق سراحه، شرط أن يعتذر منه. يومها رفض الإمام (ع)، وقال له: "ليسَ عندي ما يستوجبُ الاعتذار، اذهبْ إليه وقلْ له: إنَّ الأجلَ قريب، والحسابَ آت"، "وأنّه لن ينقضي عنِّي يوم من البلاء، إلّا انقضى عنك معه يوم من الرَّخاء، حتّى نفضي جميعًا إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون". 
تصوَّروا هذا الموقف: الإمام سجين، وقد جاءت دعوة هارون له بالاعتذار بعد أن كان الإمام قد مضى في السّجن سنوات طوالًا، لكنّه رفض ذلك، وقال ما قاله النَّبيّ يوسف (ع): {السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}.
ولذلك، شعر هارون الرَّشيد بالضِّيق من بقاء الإمام على ثباته وموقفه وصبره. وبعد أن لم تنفع معه كلّ السّبل في تغيير مواقفه (ع)، قرَّر أن ينهي حياته الشَّريفة وهو في غياهب السِّجن الَّذي أودعه فيه، كما جاء في الرّوايات.
على نهج الإمام (ع)
أيُّها الأحبَّة، هذا هو الإمام الكاظم (ع)، هذا هو طريقه، هذه هي صورته، عانى وتألّم وظُلَم.
إنَّ إخلاصنا لهذا الإمام بأن نتمثّله في كلماته ومواقفه، وفي القيمة الّتي اقترن بها اسمه، عندما كظم غيظه وصبر على الأذى، وبقي رغم كلّ ذلك راسخًا في مواقفه، ثابتًا عليها، ممّا أشارت إليه الزّيارة الّتي نقرأها عند ضريحه، وذلك وفق الصّورة الَّتي نشير بها إليه عند زيارته:
"السَّلام عليك يا باب الحوائج إلى الله، موسى بن جعفر الكاظم، أشهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغتَ عَنِ اللهِ ما حَمَّلَكَ، وَحَفِظْتَ ما استَودَعَكَ، وَصَبرْتَ على الأذى في جَنبِ اللهِ، وَجاهَدْتَ في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ حتَّى أتاكَ اليَقينَ".
جعلنا الله من المتّبعين له، المقتدين بآثاره، والعاملين بنهجه، إنَّه أرحم الرَّاحمين.
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بوصايا الإمام الكاظم (ع) لأصحابه، عندما قال: "أوصيكم بالخشية من الله في السّرِّ والعلانية، والعدل في الرِّضا والغضب، والاكتساب في الفقر والغنى، وأن تصلوا من قطعكم، وتعفوا عمَّن ظلمكم، وتعطوا من حرمكم، وليكن نظركم عبرًا، وصمتكم فكرًا - لا صمتًا فارغًا - وقولكم ذكرًا، وطبيعتكم السَّخاء - سواء في المال أو الوقت أو المساعدة أو حتّى المعاملة - فإنَّه لا يدخل الجنَّة بخيل، ولا يدخل النَّار سخيّ".
أيُّها الأحبَّة: نحن أحوج ما نكون إلى كلّ هذه الوصايا الّتي إن أخذنا بها، تجعل حياتنا أكثر وعيًا ومسؤوليَّة وانفتاحًا، وبذلك نكون قادرين على مواجهة التّحدّيات.
خطّة المناطق التّجريبيّة!
والبداية من الاعتداءات الإسرائيليّة، حيث يستمرّ العدوّ الصّهيونيّ في الغارات الّتي تطاول أطراف القرى المحتلّة، فيما لا تتوقّف عمليّات التّفجير للمنازل والبنى التّحتيّة والمؤسّسات الخاصَّة والعامَّة في القرى الّتي يحتلّها، وذلك لتيئيس أهلها من العودة إليها... 
يحصل ذلك من دون أن نشهد أيّ إدانة للعدوّ على ارتكاباته بحقّ مقدّرات لبنان واللّبنانيّين، بحيث باتت تمرّ بشكل طبيعيّ وكأنّ شيئًا لم يكن. 
في هذا الوقت، بدأ تطبيق ما يسمّى المناطق التَّجريبيّة بدخول الجيش اللّبنانيّ إلى عدد من القرى الجنوبيّة الّتي حدّدت له، ونريد له أن يكون مقدّمة لعودة أهلها إليها بحريّة...
دعم الجيش.. وعودة الأهالي
ونحن أمام ما جرى، نرحّب بانتشار الجيش اللّبنانيّ في هذه القرى، والّذي كنّا ولا نزال نتطلّع أن يبسط سلطته على كلّ شبر من الأراضي اللّبنانيّة، وهذا ليس منّةً من أحد، بل هو حقّ له وواجب عليه، ولكنَّنا كنّا لا نريد لهذا الحضور أن يكون بناءً على مساومة وخاضعًا لإذن العدوّ أو لشروطه، بعد أن أصبح واضحًا أنَّ القرى الّتي دخلها الجيش اللّبنانيّ لم تكن ضمن القرى والبلدات الّتي كان العدوّ قد احتلّها، بحيث يمنّ بها على الدّولة اللّبنانيّة وعلى اللّبنانيّين.
وهنا ندعو الدّولة اللّبنانيّة إلى تعزيز قدرات الجيش اللّبنانيّ، ليكون قادرًا على القيام بمسؤوليّته في حماية أهالي هذه القرى، لتعزيز ثقتهم بجيشهم، وإلى مزيد من التَّلاحم بين الجيش اللّبنانيّ والأهالي، والحذر من أيّ محاولات لإحداث الشَّرخ بينهما. ونحن نريد لهذا التَّلاحم الّذي شهدناه، أن يكون المدخل لتحرير الأرض وحماية السّيادة وحفظ الأمن في مواجهة مخطّطات العدوّ وأطماعه.
وفي الوقت نفسه، نريد للحكومة اللّبنانيّة، وبشخص رئيسها، أن يفي بما وعد به من يعودون إلى قراهم، بتأمين كلّ ما يحتاجون إليه، لضمان بقائهم في أرضهم وثباتهم فيها، واعتبار ذلك من أولى مسؤوليَّاتها.
فيما نعيد دعوة الدّولة اللّبنانيّة إلى عدم الاستكانة لما جرى، وأن تقوم بالدّور المطلوب منها وما هو واجب عليها، لتحقيق سيادتها الكاملة على أرضها، وتحقيق آمال مواطنيها. ونحن مع أيّ تحرّك تقوم به الدّولة على هذا الصّعيد. 
العبرة في النَّتائج
لكن تبقى العبرة في نجاح أيّ تحرّك يجري على هذا الصّعيد بمقدار ما يُلزم العدوّ بإيقاف عدوانه، وبالانسحاب من كلّ الأراضي الّتي احتلّها، ما يضمن عودة آمنة للأهالي وإعمار ما تهدَّم، وما سوى ذلك يبقى كلامًا أو تمنّيات أو عواطف لا تغيّر في واقع الاحتلال ولا تردع عدوانيّته. وبالنّسبة إلينا، فإنّ رهاننا سيبقى على إرادة اللّبنانيّين ووحدتهم.
إنَّنا نعي حجم الخلاف الحاصل بين اللّبنانيّين فيما نشهده، إن على صعيد الدَّولة أو على الصَّعيد الشّعبيّ، في كيفيَّة مواجهة المرحلة والسّبل الآيلة إلى تحرير الأرض واستعادة الأسرى، لكنَّنا نريد لهذا الخلاف أن لا ينعكس سلبًا على الدَّاخل، فلا يكون بأس اللّبنانيّين فيما بينهم شديدًا، بدلًا من أن يتوجّه إلى عدوِّهم، فيضعف الموقف اللّبنانيّ، ويفتح بابًا تنفذ منه الفتنة الَّتي يسعى إليها كلُّ من لا يريد خيرًا بهذا البلد. وليكن الهمّ الدَّائم لدى الجميع هو مصلحة لبنان وسيادته، بحيث تبقيان فوق كلِّ اعتبار، ولا تتقدَّم عليهما أيُّ مصلحةٍ أخرى.
العدوان على إيران
وأخيرًا، نطلّ على العدوان الجاري على الجمهوريَّة الإسلاميَّة، والَّذي وصل إلى مرحلة خطيرة، بعدما بات يستهدف بنيتها التّحتيَّة ومرافقها الحيويَّة، سعيًا لإخضاعها، وحرمانها من حقوقها وتدمير مقدّراتها، وممّا بات يترك تداعياته على أمن شعوب المنطقة واستقرارها. ونحن على ثقة بقدرة الجمهوريّة الإسلاميَّة، قيادةً وشعبًا، على إدارة هذه المرحلة بحكمة وثبات، بما يؤمّن لها حقوقها المشروعة، وينعكس إيجابًا على قضايا المنطقة وشعوبها وعلى العالم.
 
اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير