قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ} صدق الله العظيم.
خطر الاغترار بالدّنيا
إنَّ أخطر ما يصيب الإنسان هو أن يغترّ بالدّنيا؛ أن ينخدع بزخارفها وبهارجها وزينتها ولذّاتها وشهواتها، أن لا يراها على حقيقتها، بأنَّها وإن طالت، فلن تدوم له، وأنَّه سيغادرها عاجلًا أو آجلًا، ما يجعله يغفل عن مسؤوليَّاته تجاه ربّه وتجاه النَّاس، أو أن يتنافس مع الآخرين عليها، وكلّنا نعرف ما يؤدّي إليه هذا التّنافس من أحقاد وتوتّرات ونزاعات، وقد يتسبَّب في سفك دماء.
وهذا ما أرادت الآية أن تنبّه النَّاس إليه، حين دعتهم إلى أن لا يغترّوا بالدّنيا، وحتّى لا يحصل ذلك، مثّل الله عزَّ وجلَّ لهم الدّنيا بمثال يجعلهم يرونها بصورتها الحقيقيَّة، عندما قال: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا}. فمثلُ الدّنيا، كما أشارت الآية، كمثل نباتٍ أخضرَ جميلٍ يسرُّ النَّاظرين ويعجب الزرَّاع، كالَّذي نشهده في الرّبيع. لكنَّ كلّ ذلك لن يدوم ولن يبقى، وسيأتي الخريف ليذهب كلّ شيء، وليتحوَّل معه النّبات الأخضر إلى حطام يابس متكسّر يتطاير في الهواء. هكذا حال الدّنيا؛ لعبٌ ولهوٌ وزينةٌ وتفاخرٌ بالأموال والأولاد، ولكن، بعد الشّباب يأتي المشيب، وبعد القوّة يكون الضعف، وبعد كلّ هذا يأتي الموت لينهي كلّ شيء.
الاستمتاع بزينة الدّنيا
لكنَّ هذا لا يعني أبدًا أنَّ الله سبحانه وتعالى، الّذي يحذِّرنا من الدّنيا وما فيها من زينة وبهجة وجمال ومتع لا يريدنا أن نستمتع بخيراتها، بل أراد لنا ذلك، فهو خلقنا فيها لننعم بما أودعه لنا، وهو من دعا إلى أن يأخذ كلّ إنسان نصيبه منها، عندما قال: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}، وهو من أمرنا بأن ندعوه: {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، وهو الّذي استنكر على من منع عن نفسه متع الدّنيا: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، والّتي ورد في سبب نزولها، أنَّ بعض صحابة رسول الله (ص) لمّا سمعوا موعظة من رسول الله (ص) تتحدَّث عن الآخرة، قرّروا ترك الملذَّات الّتي أحلّها الله عزّ وجلّ لهم، فمنهم من أراد ترك اللَّحم، ومنهم من قرّر ترك الزّواج، ومنهم من أراد الاستمرار في الصّيام والقيام طول العمر، فنزلت هذه الآية.
وقد ورد في الحديث: “الدّنيا إذا أقبلت، أولى النَّاس بها أبرارها لا فجَّارها، وأخيارها لا أشرارها”.
ولذلك، عندما سمع رسول الله (ص) جمعًا من أصحابه يذمّون الدّنيا ويسبّونها، قال لهم: “لا تسبّوا الدّنيا، فنِعْمَ مطيّةُ المؤمن؛ هي متجر أولياء الله، علَيْهَا يَبْلُغُ الْخَيْرَ، وَبِهَا يَنْجُو مِنَ الشَّرِّ”.
الدّنيا في وعي المؤمن
ولكنَّ الله سبحانه وتعالى يريد منّا، أوّلًا، أن نكون واعين لحقيقتها ولا نطمئنَّ إليها، فلا نتعامل معها تعامل من يعتقدون أنّهم سيشاركون في مناسبات موت الآخرين ولن يشارك أحد في مناسباتهم، ما داموا شبابًا وفي صحّة جيّدة، وأن لا نشعر بأنَّ الأمن من حولنا مستتبّ وأمورنا ميسَّرة، من دون أن نتذكَّر أنَّ الموت يأتي من دون استئذان {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
وهذا ما عبّر عنه أمير المؤمنين (ع) في قوله: “إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم اثنتان: اتّباعُ الهوى، وطولُ الأمل”.
لذلك، من الأهميَّة ذكر الموت، وهذا لا يعني أن يموت الإنسان قبل أوانه، بل أن يستعدّ لليوم الّذي يقف بين يدي ربّه. وقد ورد في الحديث: “اذْكُرْ مَصْرَعَكَ بَيْنَ يَدَيْ أَهْلِكَ؛ حيثُ لَا طَبِيبٌ يَمْنَعُكَ، وَلَا حَبِيبٌ يَنْفَعُكَ”. وزيارة القبور ليست فقط لتقرأ الفاتحة على أمواتك، بل لترى ما وصل إليه كلّ هؤلاء الَّذين غادروا الحياة ولم يأخذوا منها سوى عملهم.
ثانيًا: أن لا تكون الدّنيا هي الهدف والغاية، بل أن نتعامل معها بأنّها وسيلة، وأنّنا وجدنا فيها لنبلغ بها رضوانه سبحانه ونصل إلى جنّته، وهذا ما عبَّر عنه الله سبحانه وتعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ}، وقال: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.
وفي الحديث: “إنَّ الله سبحانه قد جعل الدّنيا لما بعدها، وابتلى فيها أهلها، ليعلم أيّهم أحسن عملًا، ولسنا للدّنيا خلقنا، ولا بالسَّعي فيها أمرنا”. وفي الحديث: “نعم العون الدّنيا على الآخرة”.
ثالثًا: أن لا يكون تعاملنا فيها ومواقفنا وتأييدنا ورفضنا على حساب موقفنا بين يدي الله عزَّ وجلَّ، بل دائمًا لحساب الله وسعيًا لبلوغ رضاه، أن لا نؤثرها على الآخرة، فلا نكون ممّن ندَّد الله سبحانه وتعالى بهم وقال عنهم: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}، {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ}.
رابعًا: أن نسلك طريق التّقوى الّذي دعانا الله إليه، عندما قال: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}، والّتي عبَّر عنها الإمام الصّادق (ع) عندما قال: “أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك”، وأن لا تقدِّم رجلًا ولا تؤخِّر أخرى؛ أن لا تنطق بكلمة، ولا تتّخذ موقفًا، ولا تؤيّد أو تعارض، إلّا بعد أن تتأكّد أنّ في ذلك لله رضا.
الاستعداد لما بعد الموت
أيُّها الأحبَّة، إنَّنا أحوج ما نكون إلى تعزيز هذه النّظرة إلى الدّنيا؛ أن نسعى إلى الدّنيا الّتي دعا إليها أمير المؤمنين (ع) عندما قال: “اعملْ لدنياك كأنّك تعيشُ أبدًا”، بأن تحصل على ما تستطيع منها في رضا الله سبحانه، “واعملْ لآخرتِكَ كأنَّكَ تموتُ غدًا”، بأن تكون دائمًا جاهزًا للقاء ربّك وليوم الحساب، عندما تقدم عليه ليسألك عمَّا فعلت في الدّنيا، وعمَّا قدّمت للآخرة، وما أعددت لنفسك من عملٍ لذلك اليوم، فإذا أحسنت العمل في الدنيا وتزوّدت لذلك اليوم، كنت ممّن قال الله عنهم: {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأخذ العبرة من وصيّة أحد الملوك، فقد ذكر عنه أنَّه حين حضرته الوفاة، استدعى قائد جيوشه، وأوصاه بثلاث وصايا؛ الأولى: أن لا يحمل نعشه إلَّا أطباؤه. والثّانية: أن ينثر في الطَّريق من قصره إلى حيث يدفن قطع الذّهب والفضّة والأحجار الكريمة الّتي يحملها. والثّالثة: أن يخرج يده من النّعش. وعندما سئل عن ذلك، قال: أمَّا الوصيّة الأولى، فلكي يعرف النّاس أنَّ الأطبّاء المهرة لم يستطيعوا أن ينقذوه، ووقفوا عاجزين عندما جاءه الموت. وأمَّا الوصيّة الثّانية، فلكي يعرفوا أنّه لن يأخذ معه شيئًا ممّا كان يملك. وأمَّا الوصيّة الثّالثة، فليعلم النّاس أنّه سيخرج من هذه الدّنيا فارغ اليدين، ليس معه شيء ممّا جمع من مال أو عقارات أو أيّ شيء من أمور الدّنيا.
وهذه هي الصّورة هي الَّتي أشار إليها القرآن الكريم، عندما قال: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}، وقوله سبحانه وتعالى: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ}.
ومتى أخذنا بذلك، سنكون أكثر وعيًا للدّنيا ومسؤوليّة فيها، ونكون بذلك قادرين على مواجهة التّحدّيات.
العدوّ يتجاوز كلّ الخطوط
والبداية من التّصعيد الإسرائيليّ الّذي نشهده في الغارات الّتي بات العدوّ يتجاوز فيها المواقع الّتي كانت تتعرّض للقصف سابقًا، ممّا نخشى أن يكون مقدّمة لتوسعة دائرة عدوانه، بل هي تخطّت المناطق القريبة من مواقع تواجده، فيما هو يستمرّ بعمليّات النّسف والتّفجير لمعالم الحياة في القرى والبلدات الّتي يحتلّها، ووصلت حتّى إلى المقابر، لتيئيس أهاليها من العودة إليها وتثبيت احتلاله لها. من دون أن تبدو في الأفق أيّ بوادر حلّ ينهي هذه المأساة، أو أيّ ضغوط تمارس عليه لردعه عن عدوانه أو أيّ إدانة له.
إنّنا، أمام ما يجري، نجدّد دعوتنا الدّولة اللّبنانيّة إلى القيام بالدّور المطلوب منها، أن لا تقف مكتوفة اليدين وتنتظر أن تأتيها الحلول من الآخرين، بل أن يكون صوتها عاليًا للمطالبة بحقّ اللّبنانيّين باستعادة أرضهم والعودة إليها، وأن تجوب العالم لتحقيق هذا الهدف. إنَّ من المؤسف أن لا نشهد ذلك، وإن حصل، فليس بالمستوى المطلوب أو السّرعة اللّازمة.
دعوة إلى أحرار العالم
في الوقت نفسه، ندعو الدّول العربيّة والإسلاميّة وشعوبها وأحرار العالم، إلى الوقوف في هذه المرحلة مع إنسان هذا البلد، لما يواجهه من آلة القتل والتّدمير كلّ يوم، وعدم تركه يواجه ما يواجهه وحده، من دون أن يكون هناك موقف يعبّر عن استنكارهم لما يجري، أو دعم يخفّف من معاناته.
مسؤوليَّة اللّبنانيّين
فيما نريد للّبنانيّين أن يكونوا أكثر وعيًا لمسؤوليّاتهم تجاه ما يتهدَّد وطنهم، بأن تتوحَّد جهودهم في هذه المرحلة الصّعبة، وأن لا يسمحوا لدعاة الفتنة بأن يجدوا طريقًا إليهم.
إنّنا نعي أنّ هناك خلافًا بين اللّبنانيّين في مقاربة ما يجري، ولكن هذا لا يدعو إلى التّعامل معه بالخطاب الّذي نشهده، والّذي يوتّر السّاحة الدّاخليّة ويعمّق الانقسام فيها، بل بحوار عقلانيّ هادئ لا يستفزّ الآخر، ويأخذ هواجسه في الاعتبار، وهو السّبيل لإخراج البلد من محنته، ولإيقاف النّزيف الدّاخليّ الّذي لا نريد له أن يستمرّ.
إنّنا نريد من الوسائل الإعلاميّة أن تكون منصّة تستخدم لتعزيز هذا التّقارب، لا أن تكون مساحة لمزيد من التّوتير وتعميق حال الانقسام، فالبلد أحوج ما يكون إلى من يئد الفتن لا من يوقدها، ومن يصل إلى الحلول لا من يسهم في تعطيلها.
معالجات اقتصاديّة قاصرة
أمَّا على صعيد الوضع المعيشيّ الّذي يتفاقم يومًا بعد يوم، فإنّنا نرحّب بأيّ إجراء يتّخذ على هذا الصّعيد من قبل الحكومة، ولكنّنا نرى أنَّ الإجراءات الّتي اتّخذت لن تؤدّي إلى معالجة الحدّ الأدنى ممّا يعانيه المواطنون، على صعيد تأمين احتياجاتهم من الموادّ الغذائيّة أو الاستشفاء أو التّعليم أو المسكن أو التَّخفيف عن الطّبقات المسحوقة، وعلى الأقلّ أن لا تزيد من معاناتهم بأن تحمّلهم أعباء إضافيّة لتأمين مواردها.
العراق: الانسحاب الأمريكيّ
ونصل إلى الانسحاب الأميركيّ الَّذي حصل في العراق، والَّذي ينهي مرحلة عانى الشّعب العراقيّ تداعياتها، ويشكّل فرصة لاستعادة الدّولة العراقيّة سيادتها، ما يدعو الشّعب العراقيّ بكلّ فصائله وتنوّعاته القوميّة والدّينيّة والمذهبيّة والسّياسيّة، إلى الوقوف صفًّا واحدًا لمواجهة المشاكل الّتي يعانيها العراق، وأن يثبتوا أنَّ العراق بقواه الأمنيّة قادر على ملء الفراغ الّذي قد ينشأ عن الانسحاب وتحمّل هذه المسؤوليّة بكلّ تداعياتها.
الحصار على إيران
وبالانتقال إلى الحصار الاقتصاديّ والماليّ والبحريّ المفروض على إيران، والّذي وصل إلى حظر شركات الطّيران الإيرانيّة وإقفال الأجواء أمامها، بهدف دفع إيران إلى التّخلّي عن حقوقها ومصالح شعبها.
إنّنا أمام ما يجري، ندعو إلى رفع هذا الحصار الّذي يطاول كلّ فئات الشّعب الإيرانيّ، وإنهاء حالة الحرب الّتي إن استمرّت، فلن تقتصر تداعياتها على السّاحة الإيرانيّة، بل ستتعدّاها إلى المنطقة كلّها، وستترك آثارها على العالم. ونحن على ثقة بأنَّ الجمهوريَّة الإسلاميَّة رغم كلّ الظّروف الّتي تواجهها، قادرة على الدّفاع عن حقوقها وسيادتها والإمساك بقرارها.
ألقيت في 2 -10-2026