الزهراء(ع) : الصدّيقةُ الطَّاهرة
نلتقي في هذه الأيَّام، على بعض الرّوايات، بذكرى وفاة الصدّيقة الطَّاهرة فاطمة الزَّهراء (ع)، سيِّدة نساء العالمين. ونحن ننطلق في ذكرى هذه الإنسانة العظيمة، لأنَّنا قلَّما نجد في التَّأريخ إنسانةً كمثل فاطمة (ع)، عاشت الفضائل كأعلى ما تكون الفضائل، وعاشت الرّوحانيَّة كأكثر ما تفيض الرّوحانيَّة، وعاشت الجهادَ في سبيل الله كأفضل ما تقف المرأة مجاهدةً في سبيل الحقّ، وعاشت طفولتها مع أبيها، واحتضنته في رسالته كما احتضنته في أبوَّته، وعاشت مع عليّ (ع) الَّذي تلمّذت معه على رسول الله (ص)، عاشت معه (ع) كزوجة من أفضل الزَّوجات، بشهادة عليّ (ع) نفسه، وعندما ولدت حسناً وحسيناً وزينب وأمّ كلثوم، كانت مِنْ أفضل الأمَّهات في رعايتها لهم، وفي جهدها ومشقَّتها، حتَّى كانت في بيتها متعبةً كأشدّ ما يكون التَّعب، مثقلةً كأشدّ ما يكون الثّقل، حتَّى أثَّر ذلك في صحَّتها، بشهادة أمير المؤمنين (ع)، عندما كان يحدِّث بعض أصحابه عن ذلك، وعندما جاء إلى رسول الله يطلب منه خادماً يساعدها (ع) في ذلك.
النَّموذجُ الأعلى للمرأة
وهكذا رأينا فاطمة الزَّهراء (ع) في الواقع الإسلاميّ تعلِّم وتوجِّه وتُرشِد، وتقف بكلّ قوّةِ المرأةِ الصّدّيقةِ الطَّاهرةِ في ذلك. وهي في دراستنا لحياتها، في كلّ ما نقله الرّواة عن حياتها - ولم ينقلوا إلينا الشَّيء الكثير - لم ينقل أحد منهم، سواء كانوا من الموالين أو من غير الموالين، أنَّها أخطأت في كلمة، أو في فكرة، أو أنَّها انحرفت في عمل، كانت سيرتها التأريخيَّة سيرة العصمة في كلّ ما قالت وفي كلّ ما فعلت. ونحن نقرأ في آية التَّطهير الَّتي هي دليل عصمة أهل هذا البيت، أنَّها المعصومة الَّتي أذهب الله عنها الرّجس وطهَّرها تطهيراً، كما أنَّ الأحاديث الَّتي تنوَّعت بين صفتها كسيّدة نساء العالمين، وصفتها كسيّدة نساء أهل الجنَّة، تؤكّد ذلك، لأنَّه لا يمكن أن تكون سيّدةُ نساء العالمين، وسيّدةُ نساء أهل الجنَّة، إنسانةً تنحرف في الكلمة وفي الفعل وفي الفكر.
ولذلك، تمثّل السيّدة الزّهراء (ع) النّموذجَ الأعلى للإنسان وللمرأة، لأنَّها استطاعت أن تجمع في عقلها علماً تعلَّمته من رسول الله، وفي قلبها حبّاً للنَّاس كلّهم، وأن تجمع في سيرتها وفي سلوكها كلّ حركيَّة المسؤوليَّة للإنسان المسلم.
وهكذا كانت عبادتها كأفضل ما تكون العبادة، وقد ورد عن الحسن البصري قوله: "ما كَانَ في هَذِهِ الأُمَّةِ أَعْبَدُ مِنْ فَاطِمَة"، وقالت زوجة أبيها عائشة عنها: "مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ فَاطِمَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذي وَلَّدَهَا"
وكانت (ع) تشبه رسول الله (ص)، كما تتحدَّث عائشة عنها، كانت تشبهه في كلامها وحديثها، حتَّى كانت إذا تكلَّمت، فكأنَّ النَّاس يسمعون رسول الله في كلامها، وكانت أشبه الناس بالرّسول (ص)، كما تقول أمّ سلمة عنها، في إشراقة وجهها.
المرحع السيد فضل الله(رض)